كنت قد كتبت الكثير عن هذه العائلة ، وكان آخر ما كتبت (حينما تبكي أم بكر بلال تبكي فلسطين) بعد اعتقال زوجة ابنها وولدها وحفيدها ذلك اليوم الذي أصبحت أم بكر وحيدة من دون ولد و حفيد في بيت كبير غادره ساكنوه وتوزعوا على سجون الاحتلال.
واليوم لا اعلم بأي الكلمات سأصف الحال بعد اعتقال الخالة أم بكر الحاجة رابعة التي مضى من عمرها 65 عاما ، هل أتحدث عن لحظات الاعتقال وصعودها الجب العسكري وهي التي أعياها الدهر وقسوة الأيام ، أم أتحدث عن لحظات الوداع التي كانت تودع بها أولادها الأسرى حينما كانوا يختطفون ويزجون بالسجون ليلاقوا أبشع أنواع العذاب وأعلى الأحكام ، أم عن صبرها على اعتقال زوجها الراحل الشيخ سعيد بلال.
لقد كانت ومازالت وستبقى بإذن الله الحاجة رابعة أم بكر مدرسة صمود وصبر تعلمت من الحاجة الأسيرة معاني الصبر ، فالصبر ليست آيات تتلى وكلمات تقال الصبر مواقف وأحداث كتبها الإنسان بيده وترجمتها الأيام أفعالا لا أقوالا .
تعلمت من الحاجة الأسيرة الكثير فبعد كل اعتقال لولد من أولادها كنت أسارع بالاتصال لكي أواسيها فكانت هي من تواسيني وتقول لي الحمد لله اسأل الله أن يتقبل واني قد أودعت أولادي عند الله وهو بهم ارحم مني، كنت اصمت لا اعلم ما أقول ،فقط اردد وأعيد من خلفها نعم الحمد لله
في مطلع هذا الشهر اعتقل نجلها عمر وهو الولد الوحيد الذي كان خارج السجن اتصلت عليها أسال عن الخبر فقالت لي الحمد لله (فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) كانت تردد قول الله في سورة يوسف ذهلت من الآيات وكأني اسمعها لأول مرة كان لها وقع خاص واثر كبير على نفسي.
أولاد الحاجة الخمسة بالأسر ومعهم حفيدها وزوجة احد أبنائها وهي واثقة ثابتة تستحضر قول الله وتردد خلف سيدنا يعقوب قول الله ، حينها تلعثمت الكلمات في فمي وسكت ، وسمعت الحاجة صوت بكائي ، وقالت لي وقد آلمها حالي صبرا يا بني فما عند الله قريب هم يريدون إفساد فرحتي بنجاح صفقة الإفراج عن الأسرى وخروج عثمان ومعاذ وأنا متوكلة على الله فعسى الله أن يأتيني بهم جميعا.
خبر اعتقال الحاجة أم بكر أخذني إلى سجن السبع قسم ايشل حيث يقبع هناك منذ أكثر من 15 عاما ولداها عثمان ومعاذ كيف استقبلوا الخبر معاذ عانق أخاه وسط منظر أبكى ال10 أسرى المتواجدين في ذات الغرفة ومن ثم ذهب إلى برشة يداري وجهه يريح نفسه بدمعات قد تكون لازمة في مثل هذه اللحظات، أما عثمان فقد دارى دمعاته بان دخل الحمام الموجود بالغرفة وفتح صنابير الماء لكي تحدث صوتا عاليا وأجهش بالبكاء يعض على شفتيه لكي لا يسمع صوته.
وفي بيتحتكفا المكان الذي اقتادوا الحاجة إليه حيث يقبع لها هناك ولدان وحفيد وزوجة ابنها عبادة كل منهم استقبل الخبر بشكل مختلف فعبادة ضرير لا يرى ومعتقل منذ سبعة أعوام تحسس أمه من خلال صوتها لم يسمح له بعناقها ولم يسمحوا لها بتمرير يديها على رأسه كما كانت تفعل له وهو صغير ، أما عمر فقد أعلى الصوت بالتكبير والتهليل فهذه عادته وهذا ديدنه اعرفه جيدا كهذا هي مواقفه في الأحداث الجسام، أم بكر الجبل والسند فقال لأمه مداعبا مخففا عنها بعين الله يا أمي شده وبتزول ، بكت الحاجة أم بكر وكان لسان حالها يقول الصمت ابلغ.
أقول وبكل صدق من مدرسة الحاجة رابعه تعلمت الصبر ومعاني الصبر واستحضار معية الله في كل صغيرة وكبيرة فهي بثباتها وصمودها كشجرة زيتون رومية تضرب جذورها في عمق الأرض شامخة قامتها أبية نفسها عظيمة كلماتها نقية سريرتها متوكلة على ربها إنها الحاجة رابعة بلال أم بكر.