أخر الأخبار:

رمضان وهوس الترفيه!.. رانية طه الودية

الجمعة, 10 يونيو 2016 12:15 //

الصيام عبادة روحية نفسية. فهي لا تُمثل الامتناع عن الطعام والشراب بغية الحرمان من الملذات. وإنما لتهذيب النفس ولترتقي، فتشعر بحاجات المحرومين والمحتاجين. فتستشعر عظم ما تتنعم به من ملذات، فتنطلق النفس في رحاب الشاكرين الباذلين.

ولعل ذلك من أسمى غايات الصيام، الذي ندركه بصورته الحسية في ترك الطعام والشراب، بينما الغاية الأهم فيه وهي الصوم عن كل ما حرم الله. وهي العبادة التي لا تقتصر على شهر الصيام فقط، وإنما تمتد في كل حياة المسلمين.

غير أن غياب الهدف الأسمى للصيام أو التغافل عنه في إدراك الكثيرين، جعل من رمضان شهراً للترفيه والمتع. وكأن الامتناع عن الطعام هو حرمان يستوجب التعويض بالترفيه، والتي منها المبالغة في الطعام والشراب. ثم تعدت ذلك إلى الإسراف فيهما، وفي الوقت المهدور عليهما مع مغالبة النهار بالنوم الطويل، ومزاحمة الليل بأنواع المتع.

          وحقيقة الأمر أن الطعام حاجة إنسانية، تُشبع بالقليل منه، فهي وسيلة للحياة وليست غاية فيها. ولن يؤدي الطعام غايته في حفظ الجسم بقوته ونشاطه وصحته، إلا إن حيدناه عن طريق المتعة.

ولعل الكثير من وسائل الإعلام نجحت في برمجة الكثير من العقول على أن رمضان شهر متميز. ولأنه شهر مميز فذلك يستوجب أن تكون فيه برامج متميزة، تجذب الأنظار لتحقيق الترفيه والمتعة. فهي تُخصص لهذا الشهر دون ما سواه. وكأن تميزه في المتعة لا في الأجر والعبادة! حتى أصبح مألوفاً للكثيرين ما يسمى بالبرامج الرمضانية، وكأنها جزء لا يتجزأ من روح رمضان. فبدت لياليه عامرة بكل تسلية وترفيه، ولا سيما خلف الشاشات. فالسهر سمة رمضانية للكثيرين لمتابعة هذا وذاك في المحطات المختلفة، دون اعتبار لما فيها من فساد أو إفساد للصيام ولحياتنا بشكل عام.

وتحول أيضا مفهوم الاجتماع للأهل من تقوية الروابط، وغسل النفوس مما تحمله من ضغينة وقطيعة، وأصبح مفهوماً حسياً لا يتحقق الهدف منه بالاجتماع فقط، وإنما بأصناف وكميات الطعام والشراب، فتزداد معدلات الاستهلاك الرمضاني بقدر كبير تحت جناح الكرم والترفيه. ولم ندرك أن ما نسب للكرم  قد أوقعنا في الإسراف والمنكرات.

والحقيقة: أننا كثيراً ما نغفل عن تأمل مفهوم العبادات، لنحقق الهدف الذي شرعت من أجله.

فالعبادات جميعها غايتها التربية النفسية والروحية، لكنها تؤدى بطريقة حسية ولذلك شرعت النية في العبادات، لأنها ليست أداءً جسدياً صرفاً بلا قناعة ورغبة يتبعها سلوك طاعة.

        لذ فإننا نحتاج لأن نقف مع أنفسنا ونتساءل: هل نحن بحاجة للمزيد من الترفيه والتسلية الرمضانية لتعويض أنفسنا عن حرمان بضع ساعات صوم. وليكون شهر رمضان شهراً متميزاً عن باقي الشهور؟

فنحن صمنا عن الطعام والشراب ولا شك. لكن الأجر في صيام النفس والروح مع الجسد، فالصيام ترك للطعام، والصوم ترك لكل ما حرم الله، وقد كان رمضان في زمن السلف الصالح شهر الانتصارات، فأصبح الآن شهر المسلسلات والمسابقات. فلنتحول لنتنافس ونتسابق على الجوائز الربانية فيه لنكون من الفائزين.

فنحن نصوم رمضان. لكن هل تحقق لرمضان روحه المنشودة؟