أخر الأخبار:

"هوس التجميل".. وعالم من الدمى المتشابهة.. مي عباس

الجمعة, 13 فبراير 2015 14:03 //

الجمال.. كلمة لها وقعها السحري على النفوس، ومن روعتها أنك لا تستطيع أن تضع لها تعريفا محددًا.. تأمل مثلا هذه الزهور بأشكالها المختلفة، أو أرح قلبك مع أصوات خلابة ومتنوعة مثل صوت الكروان، أو هدير مياه مترقرقة.. ستشعر بمعنى الجمال وقيمته رغم الاختلاف، في اللون والحجم والهيئة، وكذلك في النبرة والصوت.. بل وفي السمات الشخصية أيضًا، بل في الطعوم المختلفة للفواكه مثلا، قد تجد ميلا لفاكهة معينة ولكنك تقر تماما أن غيرها من الفواكه لذيذ وجميل أيضًا.. كما قد تشعر بارتياح للزهور البيضاء، ولكن هذا لا ينفي شدة إعجابك بالزهرة الحمراء، أو وقوفك مذهولا أمام وردة متدرجة الألوان تجبرك على تسبيح الباري في علاه.

 هذا الاختلاف هو جزء أصيل من منظومة الجمال في الكون، ودليل إعجاز إلهي، فهو جل وعلا "بديع السماوات والأرض".. ومن إبداعه ذلك التنوع المذهل في الخلق، قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ}. الرعد: 4.

وفي خلق البشر وتصويرهم أعظم الآيات، قال تعالى: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}. غافر: 64.

إنها آية مبهرة جدًا تستحق من كل إنسان أن يتأملها، فحتى بصمات الأصابع للتوائم المتماثلة لا تتطابق، من غير الله البديع أحسن الخالقين يقدر على أن يصور من نفس العجينة، وبنفس الملامح الرئيسية "وجه بمواصفات محددة وجسد محدد"، أن يصور كل هذه الأشكال المختلفة؟..

ولكن المؤسف والصادم هو كيف استخف إبليس قطعان من البشر، فأمرهم أن يغيروا خلق الله تعالى، والناظر إلى هوس عمليات التجميل في عصرنا، يدرك تمامًا أن النسبة الأقل فيها هي للاحتياج الحقيقي والصحي لإجراء مثل هذه العمليات، بينما تقوم هذه الصناعة الآن على الراغبين في التغيير، والمهووسين بأنماط الجمال التي يفرضها الإعلام.

المثير للضحك والاشمئزاز في آن أن هذه العمليات جعلت من النساء نسخًا متشابهة جدًا، وكأن ذلك التميز والتفرد كان عيبًا تسعى المرأة للتخلص منه، لتصبح نسخة من غيرها، بل حتى طرق التزين وفكرة الموضة بحد ذاتها، ما هي إلا قولبة للذوق والحس، وإهدار لروعة الاختلاف.

نظرة سريعة على ما يروجه الإعلام، تكشف لك عن نمط جمالي محدد للمرأة، نفس الحواجب، نفس العيون، شفاه منفوخة وخدود، أنوف متطابقة، لعب بالماكياج في تصغير وتكبير مناطق بالوجه.. شفط ونفخ لأماكن محددة بالجسد، لون برونزي موحد، وفي النهاية نسخا كربونية من نساء فقدن أشكالهن، وفقدن تميزهن، لا تكاد تشعر بكبير فرق بين الواحدة والأخرى.

إن أسوأ ما في الأمر هو التعدي على مفهوم الجمال، والتأسيس لعقلية مشوهة لا تتذوق جمال الاختلاف، أن يفقد الجمال روحه، وأن تصبح النساء تمامًا مثل الدمى.

إن التزين فطرة سليمة وجميلة، ولكن لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتغيير في الخلق، وفقدان التميز، والرضوخ لضغوط خارجية تُفرض فرضًا على العقول.

ويحتار المرء أيضحك أم يبكي وهو يشاهد نساء جميلات فقدن قدرتهن على الابتسام بعد قيامهن بعمليات تجميل في خدودهن وشفاههن، جعلت من الخطر والصعب أن يتبسمن، أو يتحدثن بشكل طبيعي.. حصلت على شفتين منفوختين ولكنها لا تستطيع رسم ابتسامة بهما!

لقد تكاتف الإعلام مع مشارط الجراحين للزج بالمرأة في أتون لا يرحم، يفرض عليها قياسات مخالفة للطبيعة، ويفرض على الرجل كذلك تصورًا ضيقًا عن الجمال، ويسلب الفتيات اعتزازهن ببديع صنع الله فيهن، فيسعين جاهدات للتخلي عن ذواتهن، والتحول إلى دمى متشابهة أمام أعين الناظرين.. فتتكاثر ثروات أباطرة التجميل، والقائمين على صناعة التنحيف والموضة.

إن النساء اليوم بحاجة إلى حركة تحرير.. ولكنها ليست كالحركات السابقة التي جعلتهن في عداوة مع أنوثتهن، وفي صراع مع الرجل.. وإنما لتحريرهن ممن يتكاتفون لسلبهن الجمال، وإرهاقهن دومًا بمعايير تخدم في النهاية مصالحهم وتكثر ثرواتهم.