أخر الأخبار:

تربية الأبناء فن لابد من تعلمه ..د. نجلاء صبري *

الخميس, 29 يناير 2015 17:42 //

محاولة فهم أنفسنا تفتح الباب على مصراعيه لفهم الآخرين لنا، فإذا أدرك الوالدان احتياجات أولادهم النفسية لتمكنوا من الفصل بين ما يريدونه هم وما يرغبونه وبين ما يجب أن يروا أولادهم عليه، فرؤيتنا للحياة ليست بالضرورة نفس رؤية الآخرين لها "فالقاعدة الغالبة أن الناس لا يدركون الحياة كما هى فعليا، ولكنهم ينظرون للعالم كما يريدون وكما يعتقدون"، فإدراكنا لحاجات أولادنا يجعلنا نفكر بنوع من المنطقية بعيدا تماما عن التعصب أو الحكم الذاتى، مما يتيح للأسرة أن تعيش فى حالة معتدلة من الصحة النفسية، فلكى تكون على وفاق مع شخص ما عليك بفهمه والقرب من قلبه وعقله ومحاولة استوضاح مكنوناته، فسوء الفهم هو الغالب على العلاقات الإنسانية نتيجة للبعد عن محاولة استوضاح دواخل الإنسان.

محاولة ارتقاء الوالدين على حالة القلق الدائمة أثناء تربية أولادهم سوف تثمر بصورة إيجابية على الأسرة جميعها، وكذلك محاولة نسيان الأحكام المسبقة أيضا سيكون لها عظيم الأثر فى أسلوب تعامل أولادنا معنا، فعند إعطاء حكم مسبق على الأبناء وتصديقه تماما وباقتناع بل وجعله غير قابل للنقاش، لأننا أولياء الأمور أكثر حكمة وأكثر علما من وجهة نظر أنفسنا يجعلنا نتجه نحو تفسير كافة سلوكيات أبنائنا بما بتناسب مع حكمنا المسبق فقط ونبررها على أنها تعزيز له فلو رأى الوالد أن ابنه ناكر للجميل مثلا سيبرر كافة تصرفاته على أساس هذه الفكرة ومن هنا فهو يجهضه حقه تماما، ولا يدرك أبدا أن إطلاق تلك الأحكام المسبقة يجعل أولادنا فى حالة من المقاومة النفسية وينظرون إلينا على أننا اضطهاديين وديكتاتوريين ويتعاملون معنا بمزيد من المقاومة والتصادم مما يخلق هوة واسعة بين الطرفين، "فقد قال السلف لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وآخه سبعاً، ثم ألق حبله على غاربه“، كما بين رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».

فى مرحلة ما تعلمت أن السلوك يصدر نتيجة للمشاعر، والمشاعر نتيجة للأفكار، والأفكار تنبع من مصدرين هما التربية والتعليم، أى اللبنة الأولى التى يغذى بها الآباء أولادهم، ولكى يعملون على تغيير سلوك ما فى أبناءهم بمواجهة هذا السلوك بشراسة لهو من الأخطاء الفادحة التى لا ينتبه لها الآباء، فلكى تغير سلوكا ما عليك أولا بالعمل على تغييرالقناعات والاهتمامات التى مر بها الإنسان أثناء تربيته ولن تصل لذلك عن طريق دور القاضى والموجه ولكن عن طريق دور الصديق الذى يتقصى الأسباب الفعلية والحاجات الرئيسية النابع عنها هذا السلوك، ففى أغلب المواقف المشحونة داخل الأسرة تجد الجملة السائدة "أرجوكم افهمونى، أو لماذا لا تفهمون ما أريده "، ألم يسمع كل منكم تلك الجملة مرارا وتكرارا، لماذا لا ننتبه لهذا الأمر مع أولادنا وندرك رغبتهم لا فى أن ننظر للأمور بصورة سطحية فارضين عليهم منهجيتنا نحن فى الحياة ولكن أن نحاول العبور لداخل عقولهم وقلوبهم لندرك ما يحتاجونه فعليا ونحاول التواءم مع تلك الأمور، علينا أن نكون كالمحيط الذى يحميهم من الخارج وليس الذى يخنقهم، من يراقب ويرشد دون ضغط أوضغينة ليس من يقيد ويتحكم ويتهكم، فالأبناء أفراد وكل فرد يعيش فى عالم خاص به، وقد لا تمثل اهتماماتنا شيئا لهم" علينا إدراك تلك القاعدة ومحاولة معرفة ما هى الأشياء الهامة للفرد لا ما نريد توصيله نحن إليه وقد يقابله بنوع من الفتور.

إذا استطاع الوالدان أن يدركا تلك القاعدة سيتمكنا من عبور نفسية أولادهم وربما يتمكنا من توريد الأصول التربوية الصحيحة لهم ولكن عبر إطار جديد يتماشى مع أسلوب استقبالهم لتلك المعلومات، قد أرى ابنى لا يصلى وأريد إرشاده إلى الصلاة “ فماذا علىّ أن أفعل ؟!!، أن أذهب لاجتذابه من يديه معنفا إياه لماذا لا تصلى وأسبه وأورد إليه من الألفاظ السيئة بما يجود به لسانى؟! مما يخلق لديه نفورا من الصلاة، أم أطلب منه أن يذهب ليتوضأ ويحسن وضوءه وقد أذهب معه أعلمه وأرشده بألفة ومحبة مع ذكر أن الوضوء يجعله ممن تنطبع على أساريرهم الأنوار الربانية، ثم أخبره أننى أحب مثلا أن يخرج معى للمسجد المجاور لنؤدى الصلاة أو أن أكون إماما لهم فى المنزل فتشع روح السكينة فى قلوب الجميع؟ وبعد الصلاة أشجعه بقبلة أو أذكر يا الله ما محلى هيئتك وجمالك وأجعله يشعر ببعض الكلمات اللطيفة أن الصلاة تجعله مضىء الوجه جميل المحيا، مما ينطبع داخل نفسية الطفل بصورة إيجابية ومع تكرار الأمر يصبح عادة فسمة سلوكية تصحبه طوال حياته عوضا عن خلق نفور ذاتى منها ونظل فى دائرة فرض الفعل ومقاومته طوال الحياة فيمتد السلوك العنادى لأمور أخرى وشتى فى الحياة الأسرية ويصبح طابع لشخصية أطفالنا، ولكن السؤال الملح هنا هل نستطيع فعل ذلك مع أبنائنا فى غياب المحبة والود المتبادل؟!!

لو تحرينا الهدوء فى ردود أفعالنا والتفكير مسبقا فى رد فعل من أمامنا قبل أن نفعل ما نريد واحترمنا ذات الآخرين مهما بدوا لنا جهلاء وصغار فى السن وكنا حياديين تماما نحو ما نريده نحن والطريقة التى نفكر بها ونستقبل بها ردود أفعال الآخرين لاستطعنا التغلب على الكثير من المشكلات الأسرية التى نعانيها الآن من تفكك وعناد ونفسيات طفولية مهدمة ومتفسخة وغير قابلة حتى للتأهيل، لأنه وباختصار الوسط المحيط نفسه يحتاج للتأهيل وليس نفسية أولادنا فقط، فلكى نربى الطفل علينا أولا تربية أنفسنا فالحياة وفرت لنا نماذج نجاح كثيرة، والإنسان لا يحتاج بالضرورة السعى نحو نموذج جديد أو خبرة ذاتية خالصة ليطبقها فى حياته، بل ربما عليه الموازنة ما بين خبرته الذاتية والنماذج المتاحة لينتقى منها أفضل ما يناسب واقع حياته الحالية، وما يناسب ظروف المجتمع بمتغيراته والتى يخضع لها الأبناء ويتفاعلون معها عبر مراحل نموهم المختلفة، فالنموذج الناجح قد يقبل التعديل والتكييف وإعادة التشكيل والقولبة ليناسب نمط حياتنا الذى نريده فالأسرة هى الوسيلة والأداة التى تمنح الأفراد الرصيد الأول من أساليب السلوك الاجتماعية، وكأنها تمنحه الضوء الذى ينير دربه فيما بعد والبوصلة التى توجه حياته وترشده فى جميع تصرفاته، فهى المدرسة التى تلقنه القيم والمعايير وتعده للتفاعل الاجتماعى وتعمل على تشكيل شخصيته منذ المهد، فنجد أن كل إنسان منا يطبق ما تربى عليه من قيم ومعايير وسلوكيات فى تفاعله مع الآخرين، فأى حياة تريدون لأبنائكم وأى وجهة لهم ترسمون؟!!

فهل فكرنا جميعا أن الطفل منذ المهد إلى مرحلة الشباب نحن من نضع له قوانينه الداخلية ونحن من نثبت له مفاتيح ذاته، فمنذ ولادته نلقنه أول دروسه فى الصواب والخطأ، فيما يجوز ولا يجوز، فى الجيد والسئ وما عليه أن يفعل وما يجب أن يتجنبه بدون نقاش أو مراجعة، هل فكرت كل أم وكل أب أن هذا الرصيد من السلوكيات يحمله الطفل معه أثناء التدرج فى أدوار حياته، وهل أيقنا بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الرصيد الأول هو الرصيد الثابت ويزيد عليه ما يكتسبه الفرد من سلوكيات أثناء نموه فالأصل هنا لا يتغير ويجتذب ما يشابهه وما يتماشى معه من سلوكيات جديدة عبر كل مراحل نموه، فعلى كل أب وأم منا أن يعلم جيدا أن التربية والتنشئة الاجتماعية هدفها الأساسى تكوين الشخصية الإنسانية للأبناء وتنمية ذواتهم بصورة إيجابية وليس طمسها والتحايل على فرصهم فى الحياة ليكونوا صورا ممسوخة منا ، فعليهم أن يعملوا على تكوين الضمير عند أولادهم بغرس القيم الإيجابية والتأكيد على مفهوم الذات الإيجابى بتلاشى أسلوب التشهير بالأبناء وبسلوكياتهم أمام الغرباء بل والتعامل معهم بنوع من النضج والحكمة فعقل الصغير يسجل كل كلمة وحرف وسلوك وتصرف ليعيد إنتاجه فيما بعد على مستوى تفاعلاته القادمة، الكثيرون من الآباء لا يدركون أن كل الأمور التى ترتبط بالفرحة والحزن والألم والسعادة هى أدوات مهمة فى تشكيل كافة جوانب حياتنا، بإدراكهم لتلك الحقيقة سيعملون جليا على تغيير أفعالهم لتتغير نتائجها على أطفالهم وعلى أنفسهم بما يضمن للنتائج الإيجابية أن تنعكس بمستقبل مشرق، فالحياة ليست هى من يرسم لنا طريقنا ولكن ما نحمله داخل عقولنا من معتقدات تمثل قوى مهمة للبناء والهدم كما أوردنا فى الفقرات السابقة، فعلى أساس مخزوننا من تلك المعتقدات تتكون لدينا صورة نهائية وثابتة للحياة ننحو نحوها، وعليه فعلى الجميع أن يقف مع ذاته لبرهة ليتأمل ما يمتلكه داخل عقله من موروثات عبر تربيته فيعمل على تفريغها ويضعها أمام وعيه فى حالة من التقييم والانتقاء والنقد، ومن ثم فى تلك الحالة علينا أن نلغى تماما فكرة تقييم الآخر لنا إن تخلينا عن موروث معين أو أسلوب تربوى بذاته، فالآخر ليس من يدير حياتنا ولن يمضى معنا كل وقتنا ولن يهبنا السعادة، فلن يكون سوى محور للنقد فقط وليس علينا الانصياع له ولنظرته وانطباعه العام عنا، فهو ليس جلادا يحتم علينا أن نعيره الاهتمام الكلى بما يفسد استمتاعنا بحياتنا الخاصة.

وإن كان النقد البناء له دوره وهنا تكمن قوة العقل وحكمته فى النظرة الكلية للأمور وانتقاء ما يناسب حياتنا، فالأجدر بالآباء معاملة أبناءهم بعين البصيرة والحكمة فحتى الآباء الناجحون والأسر المتوافقة لابد وأن تعتريها عثرات الحياة لتضعها فى خضم التجربة، فالتعثر والتخبط لبعض الوقت ليس هو الأزمة ولكن دوام التخبط هو الأزمة بعينها، فلكى نجعل الآخرين يقتنعون بأسلوبنا فى النصيحة علينا أولا علاج اندفاع مشاعرنا ودوافعنا وتغيير وجهة أحاسيسنا الداخلية حتى يحدث تحول المشاعر بالانفتاحية نحو الآخر فيشعر بما نريد أن نوصله إليه دون عنف أو مقاومة حسية، فالعلاقة التربوية علاقة محبة واحترام فى أساسها ومن يحب دون قيد أو شرط وفق طبيعة الآخر يتعلم خلال رحلة الحب تلك كيف يتوافق مع عقله ويتقبله وإن بدا له غريبا ومختلفا، فجميل جدا أن نجعل أبنائنا يشعرون بالحب فى كل المواقف حتى موقف النقد بالرغم من ميلنا الشديد أن يسلكوا وفق منهجية سلوكية معينة نحن نراها أصح وأسلم ولكن ألم يفكر كل منا هل نحن قادرون على تصدير شعورنا بالحب نحوهم ونحن فى أشد حالات عصبيتنا وثورتنا؟! هنا لن أجيب سأترك الإجابة لكم، إن استطاع كل منا أن يخلق مساحة الود تلك التى تضمن لنا التفاعل مع أولادنا فى محيط العائلة بنوع من الألفة والتسامح واحترام رأى الآخر ومنحهم مساحة من النقاش وإبداء وجهات النظر فسنكتشف أن الرؤية المشتركة تحمى الأفراد من الاتجاه نحو المعايير الخاصة والفردية والحكم بناء على المرجعية الذاتية للشخص دون احترام وجهة نظر الآخر ولا احتياجاته ورغباته وهذا السلوك كفيل بخلق نوع من التشوش فى المحيط الأسرى، فالفكرة هنا تكمن فى تكوين رؤية يتقاسمها كل أفراد الأسرة.

*أخصائية نفسية و باحثة فى العلوم النفسية والسلوكية - مصر