أخر الأخبار:

أول المشوار خطوة ..د. محمد فتحي

الخميس, 26 أبريل 2012 00:00 //
أول المشوار خطوة ..د. محمد فتحي
 

المسلم يعمل حتى يحقق إنسانيته لأنه كائن مُكلف بحمل رسالة وهي عمارة الأرض بمنهج الله عز وجل ولن يتم له ذلك إلا بالصالح من الأعمال والإنسان نفسه لن يحقق ذاته في تلك الحياة إلا عن طريق العمل الجاد وبهذا العمل الجاد يصل الإنسان ويحصل على المال الحلال الذي يبني به نفسه وأمته الإسلامية حتى أن النبي جعل من يخرج ليعمل ويكسب من الحلال فيعف نفسه أو ينفق على أهله كمن يجاهد في سبيل الله وليس هذا وحسب بل إن هذا العمل يُكسب المرء حب الله ورسوله واحترام الناس فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» [رواه الطبراني والبيهقي] أي الذي له عمل ومهنة يؤديها.

والمسلم لا يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» [رواه أحمد], ولا يحق لك كمسلم أن تجلس بدون عمل ثم تمد يدك للناس تسألهم المال والذي يطلب المال من الناس مع قدرته على العمل ظالم لنفسه لأنه يُعرضها لذل السؤال حتى ولو كان هؤلاء الناس من أقرب الناس إليه «فاليد العليا خير من اليد السفلى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» [متفق عليه]، كما قال الرسول, ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة.

كما أن: القاعد عن الكسب ساقط الشرف.

صحح مسار حياتك وأبدأ بالبحث عن وظيفة أو أي عمل نافع لك وللمسلمين وتعلم منه لتبدأ بداية قوية نحو مستقبل نجاحك وطموحك في الحياة بقدر الكد تكتسب المعالي.

ومن طلب العلا سهر الليالي     ومن طلب العلاء من غير كد

أضاع العمر في طلب المحال

قبل الوظيفة مطلوب:

1-      الاهتمام بـ: المعنى أم المبنى:

الناس نوعان: نوع يهتم بالمعنى ونوع يهتم بالمبنى, واهتمامات الناس نوعان: نوع يهتم بالقوة الداخلية ونوع يهتم بالقوة الخارجية:

                     نوع يهتم بالتغير الذي يطرأ على شخصيته من الداخل- وهذا التغير يبقى أعمق وأطول أثرًا وأجدى للشخصية- ونوع يهتم بالتغير بما هو خارج عن داخله، يهتم بالخارجي من شخصيته.

                     نوع يوظف طاقاته الداخلية وإرادته وعزيمته الداخلية وثقته بالنفس لإظهار قدراته وطموحاته، ونوع آخر يوظف ملامحه وأناقته وانتقاء كلماته وتعبيراته ليعلو في المناصب وينجح في الحياة.

ماذا تحتاج:  المعنى أم المبنى؟ الداخلي أم الخارجي؟

تحتاج إلى الاثنين معًا ولكن المعنى قبل المبنى، الداخلي قبل الخارجي.. تحتاج إلى الاثنين معًا لتبدأ الحياة.

تحتاج أن تبدأ بـ: لماذا وكيف.

لمـــــــاذا؟ أي أن يكون لك رسالة ومعنى لحياتك.

وكيـــــف؟ أي أن يكون عندك مهارات ومعارف.

وتحتاج إلى الاثنين معًا ولكن لماذا قبل كيف.

لابد من إضافة المعنى إلى المبنى، ولابد من فهم « لماذا» قبل معرفة: « كيف»

2-      لمـــــاذا تريد أن تعمل؟

سؤال مهم يجب أن تجيب عنه الآن: لماذا تبحث عن عمل وتعمل؟

                     هل لأن  هذا هو سنة الحياة، لابد بعد التخرج والانتهاء من الدراسة العمل ثم الزواج والأطفال و.... وفي النهاية تموت؟

                     هل لأنك لا تريد أن يقول أحد عنك إنك عاطل؟

                     هل لأنك تفضل العمل عن الجلوس في المنزل والنوم لما بعد العصر والسمر حتى الفجر.

                     هل لأنك تريد الحصول على مال تنفقه فيما تحب، بدلاً من أن تأخذ مالاً من أحد والديك ويحاسبك عليه في إنفاقه؟

                     هل لأنك تتعجل النجاح والوصول إلى ما ترغب وبسرعة؟

أم لأن لديك:

                     طموحًا وأهدافًا تريد تحقيقها؟

                     خبرات تريد الحصول عليها من الوظيفة لتبدأ بعد ذلك مشروعًا خاصًا بك؟

                     حبًّا لمجال معين تريد أن تبدأ فيه وتحقق ذاتك فيه وتقدم الجديد فيه؟

                     رسالة في الحياة ترغب وبشدة في تحقيقها من خلال الوظيفة؟

فإن كان هذا فاعلم أنه لابد لك من:

                     التعليم المستمر.

                     الصبر على المهنة التي سوف تعمل فيها.

                     حماسة الأكياس.

                     التحلي بالمسئولية.

                     الالتزام بأخلاقيات سليمة نقية صحيحة فأنت صاحب رسالة.

                     معرفة العوائق والمصاعب الخاصة بالوظيفة أو المهنة والتغلب عليها.

عندها ستنجح في العبور نحو إدارة حياتك: كموظف جديد.

الخطوة الأولى: التعليــــم المستمر

سذاجة واضحة... أن تظن أنه بمجرد مغادرتك لصفوف الدراسة ستترك التعليم بكل صعوباته والامتحانات والنتائج والمعلومات التي تحاول أن تقحمها في ذهنك وراء ظهرك.

لماذا؟ لأنك طوال حياتك تتعلم فأنت تتعلم من تجاربك، من حكايات الآخرين، من تعاملاتك, وأنت كما تنمو من حيث الخبرة والناحية العملية وتتعلم علميًّا. كذلك تنمو وتتعلم اجتماعيًّا، باختصار يجب أن تكون حياتك كلها رحلة تعلم مستمر.فهل تظن أنك الآن تعرف كل شيء في التخصص، وشاهدت كل شيء في التخصص، ووجدت إجابات لكل الأسئلة في التخصص.

بالطبع لا، إذن ما تزال تتعلم.يقول عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78] فالإنسان يولد وهو لا يعلم شيئًا، ثم لا يزال يُنعم الله عليه من فضله ويعلمه ما يحتاج إليه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالم أو متعلم» [رواه الترمذي وابن ماجة].

فالمسلم الراغب في مزيد من التعلم لن يشبع حتى يكون منتهاه الجنة بإذن الله.

وهذا الإمام أحمد بن حنبل يُسأل يومًا: إلى متى تستمر في طلب العلم وقد أصبحت إمامًا للمسلمين وعالمًا كبيرًا؟! فقال لسائله: مع المحبرة إلى المقبرة.

وهذا الإمام الشافعي يقول:  كلما ازددت علمًا كلما ازدادت مساحة معرفتي بجهلي.

وليس هذا وحسب بل يجب أن تعلم أن:

المعرفة وحدها لا تكفي، فلابد أن يصاحبها التطبيق. والاستعداد وحده لا يكفي فلابد من العمل» [جوته}
        هل عرفتما هي إنسانيتك المطلوبة منك؟ 

·        وهل علمت ما هي أدوارك في هذه الأرض؟

·        وهل علمت ما هو المطلوب منك قبل أن تعمل فى أي وظيفة؟

كانت الخطوة الأولى في العبور نحو إدارة حياتك: كموظف هى: التعليــــم المستمر

الخطوة الثانية : الصبر على المهنـــــــــة :

لن تصبر على المهنة إلا إذا كان لديك حرص على التعلم المستمر، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُستطاع العلم براحة الجسم» [رواه مسلم]، ولن تصل إلى السعادة في الصبر عليها إلا بشروط، هي:

-         بذل الوسع

-         صدق الطلب

ويؤكد هذا ابن الجوزي حين يقول:

«تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله، فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة...».

ويقول الشافعي: «حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارضٍ دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًّا واستنباطًا ، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه».

وقد قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟! فرد عليهم وقال: «بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب».

وليس هذا وحسب؛ بل تنظر إلى ما صبرت عليه وتعلمته كل فترة، هل استفدت منه أم لا؟ هل زادك علمًا وقربًا من الله أم فسادًا لك ولغيرك؟ وهذه أم سفيان الثوري تقول: «يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك».

وليكن صبرك صبر الكرام لا صبر اللئام، فكل شخص لابد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارًا وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا؛ لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأن يُحمد عليه من الله عز وجل، وأما اللئيم فيصبر صبر المقيد لعلة أو لضرب أو لهوى في نفسه، ويتعلم المهنة من أصحابها ثم يتركهم ويرميهم عندما يعلم بواطنها، فهذا لؤم وليس بصبر؛ ولذا قال عاقل: «من لم يصبر صبر الكرام سلا سُلُوَّ البهائم».

    فالكريم يصبر صبره في طاعة الرحمن.

    واللئيم يصبر صبره في طاعة الشيطان.

وهنا يصدق فيه كلام ابن القيم عما يوجد في النفس إذ يقول:

«في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو قوم عاد، وطغيان قوم ثمود، وجرأة النمرود، واستطالة فرعون، وغرور قارون، ووقاحـة هامان، وهوى بلعام، وحـيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد، وجهل أبي جهل».

وليس هذا وحسب؛ بل تجد فيها تشابهًا مع بعض أنواع من الحيوانات، فتجد بها: «حرص الغراب، وشره الكلاب، ورعونة الطاووس، ودناءة العجل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراشة، ولؤم الضبع».

ولذا مطلوب منك كما قال الشاعر:

لا تخضعن لمخلوق على طمع

فإن ذلك نقص منك في الدين

 

واسترزق الله مما في خزائنه

فإنما هو بين الكاف والنون

الآن الخطوة الثالثة هي :

حماســــــة الأكيـــــاس

حماسة الموظف الجديد سلاح ذو حدين، إن استخدمها باتزان وتعقل نفع، وإن استخدمها بتهور وطيش أضر وأفسد وأضاع نفسه وشركته، ومثال ذلك:

البائع المتحمس في بلد أجنبي دخل منزل إحدى السيدات ذات يوم ليعرض لها مكنسة كهربائية جديدة من نوعها، وبمجرد أن فتحت له السيدة باب المنزل أخرج البائع المكنسة من الكرتون ووضعها على الأرض ثم أخرج من حقيبته كيسًا به رمل وقام بنثره على الأرض، انزعجت السيدة من هذا التصرف وصرخت في وجه البائع: هل جننت؟! كيف سأنظف هذا الآن؟!

رد البائع: لهذا أنا هنا يا سيدتي لكي أقدم لك هذه المكنسة الرائعة ذات القوة الخارقة، ثم وعدها قائلاً: إذا لم تشعري بالرضا عن عمل المكنسة سأقوم بتنظيف الأرض بلساني.

هدأت المرأة وقالت: إذًا انبطح على الأرض ونظفها بلسانك، قال لها البائع: لماذا يا سيدتي؟

فقالت له: لقد انقطعت الكهرباء منذ صباح اليوم.

إذن: الحماسة بمفردها لا تكفي، بل تحتاج معها إلى الكياسة.

* الحماسة في اللغة تدل على الشدة، والحماسة: الشجاعة والشدة..

والتحمس هو: التشدد، ويقولون في اللغة: حمس بالشيء إذا تعلق وتولع به، والأحمس: هو الورع من الرجال المتشدد في دينه، وجاء في لسان العرب أن الأحمس هو: الشديد الصلب في الدين والقتال.

إذن الحماسة: تعلق وولع بالأمر يدعو إلى التشدد فيه والجرأة والشجاعة في إنفاذه، فهو يبدأ بشعور وعاطفة وتعلق ينبثق منه عند ذلك تغير وسلوك نفسي، يتولد من خلاله جرأة تترجم إلى شجاعة في إنفاذ الأمر وعدم التساهل أو الترخص فيه.

الكياســـــة: هي أصل يدل على ضم وجمع، ومنه الكيس الذي تجمع فيه الأشياء، والكيِّس في الإنسان ضد الخرف أو ضد الحمق، لأنها- أي الكياسة- مجتمع الرأي والعقل، أي أن الكياسة: هي خلاصة الرأي والعقل، ولذا يقولون: الكيس: العقل والفطنة والفقه

والكيس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها، والكيس: هو الظريف الخفيف المتوقد الذهن، ورجل كيس الفعل: أي حسنه. أي أن الكياسة: هي عقل وفطنة تقود إلى الرفق في الأمور والإحسان في أدائها دون حمق، إذن فأنت تحتاج في بداية عملك إلى الاثنين: حماسة وكياسة. حماسة متعلقة بالعاطفة والشعور والحمية، وكياسة متعلقة بالعقل والرفق والرشد.

فأنت حينما يسألك شخص ما، ماذا تريد وأنا أحققه لك، تجد نفسك بسرعة وحماسة تحدد ما تريد وأحلامك وطموحاتك و... ولكن انظر إلى الصحابي ربيعة بن كعب يقول قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «سلن أعطك، فقلت: أنظرني حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار ويدخلني الجنة...» [رواه مسلم]. انظر إلى الصحابي تريث وأتى بخلاصة رسالته بعد تعقل فكانت بهذه الحماسة والكياسة.

واعلم أن ثمرات الحماسة المحمودة التي سوف تحصدها في عملك، هي:

Û     همة عالية وعزيمة ماضية وروح فتية.

Û     عمل وإنتاج وتواصل في الإنجاز، فلا كسل ولا خمول ولا إحباط.

Û     الثبات والإصرار في العمل وعليه مهما طال الزمن.

 ولكن إن تحولت الحماسة إلى غير مسارها فستجد وبسرعة:

Ü     الفتور والإحباط قد اعتراك فزهدت في العمل، وتحولت إلى غيره وغيره في كل زمن قصير.

Ü     التلف والإتلاف نتيجة غياب العقل وعدم النظر بتمعن للأمر فخسرت الكثير وربما تخسر الوظيفة والعميل الذي معك.

لماذا إذن تحدث هذه الحماسة المتهورة؟ تحدث لك نتيجة:

- القصور في العلم، فالجهل آفة الآفات، وقد أصاب رجلاً جرح في عهد الرسول ثم احتلم فأمر بالاغتسال فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال» [رواه أبو داود].

- النقص في الوعي، والوعي هو إدراك المسائل من جميع جوانبها ومعرفتها من كل وجوهها، وليس النظر إلى جانب واحد فقط، وهذا ما حدث للعميان الثلاثة الذين اتفقوا على أنهم رأوا الفيل بعد أن تحسسوه، فالأول وقعت يده على خرطومه، والثاني على أذنه، والثالث على جسده، فكل واحد منهم شرح شكل الفيل من الجزئية التي تحسسها ولم تكتمل الصورة لهم معًا.

- ضعف الاستيعاب الشخصي واستيعاب الآخرين: فالاستيعاب الشخصي هو القدرة والموهبة على استغلال ما لديك من مهارات وتوظيفها بطريقة جيدة لخدمة أهدافك، بحيث يمكنك استقبال المزيد من المعلومات والخبرات دون أن يحدث أي ارتباك أو تشويش في الذهن، ومن هذا الاستيعاب للنفس يمكن أن يتم استيعاب الآخرين: وهو قدرتك على جذب الآخرين على اختلاف عقولهم وأمزجتهم وطبقاتهم وثقافاتهم، فالناس يختلفون اختلافًا نوعيًّا في كل شيء، في نمط التفكير وفي الذكاء وفي القدرات الحسية والنفسية، والشخص الناجح هو القادر على التأثير في الآخرين – كل الآخرين- واستيعاب هؤلاء الآخرين فكريًّا وكل شيء فيهم.

أما المتحمس الذي خرج عن مساره بحماسته، فلا يستطيع ذلك.

أما المتحمس الكيس فهو مثل: مصعب بن عمير الذي استطاع أن ينشر الإسلام في المدينة في فترة وجيزة وجهز المدينة لتكون عاصمة الإسلام قبل أن يهاجر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولذا عليك بربط الحماسة بالكياسة، ما نريده لك حماسة مشوبة بكياسة يوضحها الأستاذ/ حسن البنا -رحمه الله- في كلامه قائلاً: «ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الواقع في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد».

مطلوب منك:

à          التعقل والاتزان في الأمور والضبط والإحكام في الأحوال.

à     التدرج والاستثمار للخبرات والدوام والاستمرار على التعلم.

à     التأني وعدم العجلة والتمهل على الأشياء والفطنة والتنبه للشيء الذي يُقصد معرفته.


وفي مثال عملي على حماسة الأكياس: موقعة جسر أبي عبيد

أبو عبيد الثقفي من أوائل الناس الذين جاءوا للخليفة عمر بن الخطاب لحرب العراق وتبعه في ذلك سليط بن قيس الأنصاري ولكنه كان عجولاً في الحرب، فأمَّر عمر بن الخطاب أبو عبيد وسليط هو الوزير، ونصح الخليفة أبا عبيد بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب، وفي أحد المعارك مع الفرس كان بين المسلمين وبين الفرس نهر وعليه جسر فأرسل الفرس رسالة: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: مرهم فليعبروا هم إلينا فقال: ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالاً شديدًا لم يعهد مثله والمسلمون في نحو عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من الجلاجل التي عليها، ولا يثبت منها إلا القليل على قسْر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقًا كثيرًا، فقتل المسلمون رغم ذلك من الفرس ستة آلاف، ولكن المسلمين لا يستطيعون الوصول إلى الفرس، فترجل أبو عبيد وترجل الناس معه وتصافحوا معهم بالسيوف، وفقد المسلمون خيولهم فأصبحوا رجَّالة يقاومون سلاح الفيلة والفرسان والمشاة من الفرس إلى جانب الرماة الذين أضرُّوا بالمسلمين، وحينما قرر أبو عبيد التخلص من الفيلة لأنها كانت أشد سلاحًا واجهه المسلمون داسته الفيلة بأقدامها وأخذ الراية أخوه فقاتل الفيلة ولكن وقع له ما وقع لأبي عبيد، ثم ستة قادة غيره حتى انتقلت القيادة للمثنى بن حارثة مع آخر النهار، وكان بعض المسلمين قد عبروا الجسر منسحبين، واستمر الانسحاب من الميدان، فلما رأى ذلك عبد الله بن مرثد الثقفي بادر وقطع الجسر وقال: موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، وحاول منع الناس من العبور فأتوا به إلى المثنى فضربه من شدة غضبه من صنيعه وقال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ليقاتلوا.(اجتهاد في غير موضعه أدى إلى غرق المسلمين في النهر، وبسبب شدة الضغط من الفرس فكان الانسحاب مناسبًا للحفاظ على قوة المسلمين) وقام المثنى بعقد الجسر ووقف هو ومن معه من أبطال المسلمين فحموا ظهور المسلمين حتى عبروا وقال المثنى: أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هنيتكم (أي: على مهلكم) ولاتدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم، فكان هو ومن معه آخر من عبروا الجسر، انسحب خمسة آلاف من المسلمين وخلفوا وراءهم أربعة آلاف من الشهداء منهم عدد كبير من الصحابة.

حماسة كبيرة نعم، ولكن...، شجاعة وإقدام وحب للشهادة نعم، ولكن....

Û     استقلال بالرأي.

Û     لم يحسب للمعركة حسابها الكامل.

Û     لم يدرس أرض المعركة بشكل كافٍ.

Û     مبادرة غير واعية بقطع الجسر كي لا يرتد المسلمون عن الميدان.

هذه هي الحماسة، أما حماسة الأكياس فكانت ما تلي هذه المعركة بفترة وجيزة، فقد أرسل قائد الفرس مهران الهمذاني برسالة إلى المثنى بن حارثة: إما أن تعبروا إلينا أو أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا، فقاتلوا قتالاً شديدًا حتى قتل قائدهم وأرادوا الانسحاب إلى الجسر فسابقهم المثنى إلى الجسر وقطعه حتى مات منهم مائة ألف، إنها الحماسة والكياسة معًا:

نفس الرسالة من نفس الجيش ولكن التلقي ورد الفعل يختلف.

Û     حساب الطبوغرافيا: المكان والزمان.

Û     التعقل والاتزان مع الحماسة والشجاعة المفرطة.

Û     تعلم مستمر من كل الظروف والأحوال.

ويقول الرسول : «التأني من الله والعجلة من الشيطان...» [حققه الألباني].

إنها رجاحة العقل والفطنة، والتي يستدل عليها بأمور منها:

Û     الميل إلى محاسن الأخلاق.

Û     الإعراض عن رذائل الأعمال.

Û     الرغبة في إسداء صنائع المعروف.

Û     تجنب ما يُكسب العار ويورث سوء السمعة.

وهذا هو المطلوب من الموظف الجديد.

(*) خبير التنمية البشرية والتطوير الإداري.