أخر الأخبار:

النضال السياسي للمرأة المسلمة في صدر الاسلام

الجمعة, 29 سبتمبر 2017 14:29 //

إعداد: عبير نصرالله

لقد أكد القرآن الكريم على حق المرأة في هذه المشاركة، ولاسيما فيما يلم بالمسلمين من شدائد ومحن، وقد قال تعالى: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعـروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئـك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم(([42]). وهذه الآية تتضمن ضروباً من إنصاف المرأة وأهليتها لتحمل تبعات الحياة والمساهمة في بناء أوضاعها الصالحة، فالولاية تشمل: الأخوة والصداقة والتعاون على كل خير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب يشمل ضروب الإصلاح في كل نواحي الحياة، والمرأة في ذلك كالرجل، كما تشير الآية، بشرط الالتزام بشرعه – تعالى - وتنفيذ تعاليمه، ولا يكون ذلك المتبرجة التي تجاهر بالمعصية حيث إن الإسلام الحنيف يسقط الاعتبار الأدبي للرجل والمرأة إذا كان مجاهراً بصغار الذنوب فما بالنا بهدم فرائض الشرع([43]).

كما أن تأكيد القرآن الكريم على أحقية المرأة بالقيام بهذا الدور يتضح من خلال ما أقره من تساويها مع الرجل في قاعدة العمل والجزاء وخطاب التكليف، فقال تعالى: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون(([44])، وهناك نصوص صريحة بتكليف النساء كقوله سبحانه عن نساء النبي: )وقلن قولاً معروفاً(([45])،)واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة(([46])
وقد مارست المرأة المسلمة هذا الحق في عهد الرسول r وخلفائه الراشدين وأخذت صوراً وأشكالاً متنوعة منها: 
هجرة المؤمنات فراراً بدينهن من المجتمع الكافر التي أبان عنها كتاب الله(6) ومشاركتهن في البيعة. فعن أم عطية الأنصارية قالت: «بايعنا رسول الله r فقرأ علينا آية البيعة([48]) وتتجلى صور المساهمة السياسية من خلال مشورة الرسول r لأم سلمة يوم الحديبية حين امتنع المسلمون عن طاعته «فقالت له: يا نبي الله اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بيدك وتدعو حالقك فيحلقك. فلما رأوا ذلك منه قاموا فنحروا وحلقوا»([49]). وهذا دليل على حسن إدراك المرأة وعمق بصيرتها في الأوقات الصعبة وعلى تقدير الرسول r واحترامه لرأيها ومكانتها.
وكان الرسول r يقبل إجارتها في أوقات الحرب كما فعل مع أم هانئ بنت على بن أبى طالب حينما أتت له شاكية أخاها على بن أبى طالب الذي اعترض على فعلها وحاول قتل من أجرته([50]). فرحب بها الرسول r قائلاً: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»([51]).
وقد روى عن رسول الله r الكثير من الأحاديث التي تعضد حق المرأة في المشاركة في الحياة السياسية منها قوله r: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([52])، وهو خطاب تكليف تشترك فيه المرأة مع الرجل، وقد كان من أثر ذلك أن انطلقت المرأة لتشارك بقوة في أمر سياسة الخلفاء الراشدين «ولقد كان للمرأة في كل تلك الأدوار رأى ماثل، وصوت مسموع، وفي بعضها يد أيدة وبطش شديد»([53]) من ذلك:
كف فاطمة بنت الرسول r عن المبايعة لأبى بكر بالخلافة والتي اختلف في سببها، فهل لأنها رأت أحقية على بن أبى طالب، وانتزاع الخلافة من آل بيت النبي التي كانت تراها حقاً لا يطاولون فيه أم لحرمانها ميراث الرسول r فدك وسهمه في خيبر؟ والنتيجة في كلاً الحالتين واحدة هي امتناعها عن المبايعة، وانحاز لها بنو هاشم جميعاً، والزبير بين العوام، وأبو سفيان بن حرب، وبعد موت فاطمة - رضي الله عنها - كادت فتنة أن تقوم لولا أن تداركها الإمام على بحكمته فخطب في الناس مبايعاً أبا بكر([54]). 
وقد كانت لأمهات المؤمنين مشاركتهم السياسية فيما يتعلق بشئون الخلفاء من البيعة وغيرها، منهن حفصة رضي الله عنها التي عملت على اختيار أبيها لمن يخلفه حفاظاً على أمن الدولة، وهى في حالة حرب، وعلى المسلمين أن تعصف بهم الفتنة بسبب الخلافة فقالت لأخيها ابن عمر: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت ما كان ليفعل قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أن أكلمه في ذلك»([55]).
وحينما توفي عمر بن الخطاب أبوها خطبت في الناس مذكرة إياهم بفضائله وحثهم على طاعته فيما اتفق عليه من أمر الخليفة عثمان بعده، والبيعة له درءاً للفتنة، وسأكتفي ببعض من أقوالها: «بعد الثناء على الله: أما بعد، فكل العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم حتى هم عدو الله، بإحياء البدعة، ونبش الفتنة، وتجديد الجور بعد دروسه، وإراقة الدماء، وانتهاك محارم الله بعد تحصينها... فأخسأ الشيطان وأقام دعائم الإسلام، واحتذى في الناس بأخيه فأخرجها من نسله، وصيرها شورى بين إخوته، فبأي أفعاله تتعلقون وبأي مذاهبه تتمسكون بطرائقه القويمة في حياته أم بعدله فيكم عند وفاته، ألهمنا الله وإياكم طاعته»([56]).
وموقف عائشة - رضي الله عنها - من على مشهور حيث خرجت عليه ومعها كبار الصحابة كالزبير وطلحة طلباً للثأر لمقتل عثمان بن عفان، وقد أبصرت قتلته يذهبون إلى ديارهم موفورين فانصدع قلبها، وكانت موقعة الجمل نسبة إلى الجمل الذي ركبته وأصيب في هذه المعركة، وأعادها على مكرمة إلى بيتها، فهي وإن لم تنكر عليه أمر خلافته حيث إنها كانت تدعو الناس يوم قتل عثمان لبيعته؛ لأنها تعلم بأحقيته للأمر ولقرابته من الرسول r إلا أنها رأت دماً مطلولاً وحقاً ضائعاً، فتعجلت ما رأته واجباً وإنما الأعمال بالنيات»([57]).
وهذه الفتنة التي عصفت بالمسلمين بعد مقتل عثمان t شهدت الكثير من نصراء على من النساء، ومن الواقفين ضده متعجلين الثأر، منهن نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان بن عفان، التي بعثت بأصابعها الممزقة وقميص عثمان المخضب بالدماء إلى معاوية وأمرته أن يعلق كل ذلك في المسجد، وأن يقرأ على المجتمعين كتابها التي تحث فيه مستصرخة المسلمين للقصاص من قتلة عثمان، واجتمع لسماعه خمسون ألفاً من الشام يصيحون بالبكاء ويتقاسمون فيما بينهم ألا يمسوا غسلاً حتى يقتلوا عليا أو تفنى روحهم»([58]). وبهذا يتضح دور المرأة الكبير حين دخولها معركة وهى مقتنعة بها فيكون لها الأثر الفعال الواضح على عقول الرجال، ولكلامها الأثر البين على نفوسهم خاصة حين الشعور بالجور والظلم فيشع من كلامهن فصاحة القول وحرارة الموقف ومما يدل على ذلك.
خطبة أم كلثوم بنت على في أهل الكوفة بعد وقعة كربلاء لتخاذلهم عن نصرته وغدرهم به قائلة: «يا أهل الكوفة يا أهل الختر([59]) والخذل.. إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أتبكون!! إي والله فابكوا وإنكم والله أحرياء بالبكاء فابكوا كثيرا ًواضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة؟»([60]).
وكامتداد للفتنة ومقتل أبناء الصحابة وخيرة المسلمين ومشاركة المرأة المسلمة لهذه المآسي فقد قتل عبد الله بن الزبير أول مولود بشر به المسلمون في الإسلام، وكانت أمه أسماء بنت أبى بكر مثالاً نادراً في الصبر عليه، وبلغت من قوة الشخصية درجة عظيمة؛ يوضح ذلك مجابهتها للحجاج حين دخل عليها بعد مقتل ابنها قائلاً: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، أما إن رسول الله r حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيراً، فأما الكذاب([61]) فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. فقام عنها ولم يراجعها»([62]).
وإن كان خطاب المرأة في الأمور العامة كما سبق أشد بأساً وقوة - نظراً لشدة وقع الأحداث العاصفة التي مرت بها - فإن هذا الخطاب يبدو أقل حدة، وأقرب إلى النصح والتوجيه للحاكم في الأحوال العادية، من ذلك أن خولة بنت ثعلبة نراها تنصح عمر بن الخطاب قائلة: «اتق الله في الرعية، واعلم أن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت» ([63]). وهو يسمع لها في أدب. وامرأة أخرى تقوم على الملأ فترده عن موقفه في أمر غلاء المهور قائلة إن الله قال: "وأتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً" فرجع عن قوله، وقال: «أخطأ عمر وأصابت امرأة».
ولعلنا نستطيع في ضوء هذه المعلومات أن نتبين كيف أسهمت المرأة بشخصيتها المؤمنة الواثقة الشجاعة سياسياً فقامت تخطب في الناس في الشدائد، واتضح أن ذلك أمر مألوف في ذلك العصر قد سبقتهن إليه أمهات المؤمنين كعائشة وحفصة - رضي الله عنهن - واستمرت على ذلك النهج حتى أصبحت تقف أمام الخلفاء مدافعة عن الحق بكل جسارة، وهى في كل ذلك لم تلق المعارضة من الصحابة بل وجدت سعة الصدر والتأييد مقتدين بالنبي r وبما حث عليه كتاب الله من حق ممارسة المرأة لهذا الدور كالرجل تماماً شريطة الالتزام بشرعه وآدابه في نفسها كما أسلفنا لأنه سوف يتضح كيف مارست المرأة العابدة هذا الحق بصورة اجتماعية أكثر منها سياسية حين استتب الأمر للمسلمين حينذاك، ولكنها لم تتوان عن ممارسة حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في كل أدوار حياتها أمًّا وزوجة وبنتاً ومعلمة، حيث بقيت الشرارة الأولى من النساء الصحابيات وأمهات المؤمنين توقظ فيها هذا الشعور من نصرة الحق في جميع الأحوال والظروف والمشاركة لمجتمع المسلمين في أفراحه وأحزانه.
المراجع 
([42]) سورة التوبة، آية : 71.
([43]) شخصية المرأة المسلمة: خالد العك، صـ 275.
([44]) آل العمران: آية 104.
([45]) سورة الأحزاب، أية : 32.
([46]) سورة الأحزاب، آية : 34.
(6) انظر البخاري 6/241.
([48]) البخاري: جـ1/ 262 إذا جاءك المؤمنات يبايعنك.
([49]) نظر تفسير ابن كثير 4/199.
([50]) أجرته: أمنته.
([51]) رواه البخاري: باب أمان النساء وجوارهن جـ7/83، ومسلم جـ2 صـ158.
([52]) رواه مسلم: جـ/69 رقم 49.
([53]) المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، عبد الله عفيفي: جـ2/صـ135.
([54]) ابن جرير: تاريخ الطبري، جـ4/صـ 1835-1837، ط1: الثانية 1380 هـ/ 1960م، بلاغات النساء: لطيفور، صـ24، ط1993، مكتبة السندس – الكويت، حققه محمد طاهر الزين.
([55]) رواه مسلم: كتاب الإمارة جـ7/ صـ190.
([56]) أعلام النساء: عمر رضا كحالة جـ1/ صـ275-277.
([57]) العقد الفريد جـ2/ صـ 275-283، وابن جرير: جـ5/ صـ 3025-3226.
([58]) المرجع السابق صـ 272.
([59]) الغدر والخديعة.
([60]) بلاغات النساء، جـ27/27-29.
([61]) الكذاب: هو المختار بن أبى عبيد الثقفي الذي تنبأ وحورب هو وأتباعه حتى قتل.
([62]) رواه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، جـ7/ صـ190.
([63]) انظر الرواية كاملة في أعلام النساء/ عمر رضا كحالة جـ1/ صـ 382.

أضف تعليقك

اقرأ ايضا