أخر الأخبار:

حيثما توجد الأسرة توجد التربية.. جميل الأحمد كاتب صحافي

الخميس, 20 سبتمبر 2012 00:00 //
حيثما توجد الأسرة توجد التربية.. جميل الأحمد كاتب صحافي

لاشك أن التربية أهمُّ عمل يمكن أن يقوم به الإنسان، وهي أسمى الوظائف على الإطلاق، فهي الوظيفة العليا لهذا المخلوق، لأن فيها صناعة الإنسان؛ إذ يُصنع الإنسان في محاضن التربية، فجهد المربي إنما يتجه إلى الإنسان مباشرةً، أما بقية أعمال البشر فإنما تتجه إلى المادة، فالحداد.. والنجار.. والمخترع..-على جلالة أعمالهم – يعالجون المادة ويخدمونها مباشرة، ومن هذه الناحية كانت تربية البشر من أشرف العلوم.

 وعندما يقوم المربون والمعلمون بتوجيه الإنسان، فإنهم يصنعون منه مواطنًا صالحًا فاعلاً، ولا يخفى ما في هذا الأمر من خدمة للمجتمع والأمة.

فالتربية نهايةً تصب في التنمية العامة للمجتمع، لذا يمكن اعتبارها مسؤوليةً، وقد أكد النبي  " صلى الله عليه وسلم"  على معنى المسؤولية في التربية فقال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته..».

أولادنا أشطار قلوبنا، وفلذات أكبادنا، ورياحين دنيانا، وثمرات حياتنا، بهم تحيا المنازل وتعمر الدور، وتغمر جوانبها الغبطة والسرور، وهم أينما كانوا قرة عين للآباء، كل جهد في سبيلهم محبب، وكل عناءٍ في تحصيل أرزاقهم يطيب ويعّذب، نسهر ليناموا في رضىً واستبشار، ونجوع ليشبعوا ما تعاقب الليل والنهار، ونحوطهم من مزالق الحياة بالمهج والأرواح لأن حياتهم امتداد لحياتنا، ولأنهم حماة أمجادنا، وحَملة أسمائنا من بعدنا والأولاد وإن كانوا فتنة كما ورد في الأثر «الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة»، فإن رعايتهم لَلُون من أزكى ألوان الطاعة، فلقد سأل موسى ربه: أيُّ الأعمال أحب إليك؟ قال: «ألطاف الصبيان فإنهم فطرتي، وإذا ماتوا أدخلتهم جنتي» ونحن بخيرٍ ما تخلقنا بأخلاق الله، فقد وسع فضله البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والطائع والغادر، فنشرنا ألوية التعاطف فوق رؤوس ذرارينا، مؤدين حق الإنسانية التي وثّق الله بنا عراها.

إن الأبناء ودائع ينبغي أن تُرعى، وأمانات لا يُشتغل بملاذه وشهواته عنها، إلا من فسدت فطرته، وخف دينه، واستوجب الجحود في خريف الحياة، حين يتطاول إلى بر الأبناء وهيهات، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد الذي يقول: «رحم الله والدًا أعان ولده على بره» (1)

(إن الأبوة والأمومة هما أعظم تبعة تقع على كاهل الإنسان)(2) وأبعد الناس عن شرف الأبوة هؤلاء الذين يتصل ترددهم بين أعمالهم ومقاهيهم، فلا يَلُمُّون ببيتهم إلا حين تصرخ بهم بطونهم، أو يُلحُّ عليهم نوم ثقيل، دون أن يشرفوا على تصرفات الأبناء فيشدوا أزر العامل، ويشحذوا همة الخامل.

وأبعد الناس عن شرف الأمومة، هذه التي تضيق بالبيت ذرعاً، وهو مهبط رحمة الله ورضاه فتسرف في زيارات لا تتعلق بها فائدة، ولا تدعوا إليها ضرورة، وأين هؤلاء من الأجر الذي جعله الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  للعاكف في بيته، على تربية أولاده، وإعدادهم للغد الطيب بقدر أجر العاكف في المسجد؟

والرسول  " صلى الله عليه وسلم"  في هذا الجانب من حياته، كما هو في شتى جوانبه، عظيم حقاً.

(لقد كانت فاطمة تدخل عليه، فيقوم لها، ويأخذ بيدها، ويقبلها، ويجلسها في محله)(3)، (وكان إذا أراد سفرًا، جعلها آخر العهد به، ثم صلى ركعتين، ومضى فإذا قدم من سفر، جعلها أول العهد به، بعد أن يبدأ بالمسجد فيصلي ركعتين)(4)، وكان يحمل بنت زينب، وهو يصلي الفريضة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها.(5)

وحدثت الصديقة بنت الصديق، «أنه أًهديت لرسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  هدية، فيها قلادة من جِزْع، فقال لأهدينَّها إلى أحب أهلي إلى، فقالت النساء:ذهبت بها ابنة أبي قحافة، ودهشوا حين دعا الرسول أمامة فعلق القلادة في عنقها» والرسول  " صلى الله عليه وسلم"  بذلك يعلي من قدر الأنثى التي ظلت مقهورةً مظلومةً عبر الأجيال، تختلف الأنظار في مجرد إنسانيتها، حتى جاء الإسلام فأكد عزتها وانحنى باللائمة على الذين كانوا يوئدون البنات خوف العار، وقرنها في التكاليف الإلهية بأخيها الرجل!

قال شداد بن الهاد: «سجد رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  سجدةً أطالها، فقال الناس عند انقضاء الصلاة يا رسول الله، إنك سجدت بين صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه أتاك وحي فقال -عليه السلام- كل ذلك لم يكن، ولكن ابني هذا – الحسن والحسين – ارتجلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته»(6).

أين مقررات علوم النفس والتربية، مما ترك سلفنا، من صور التوجيه الصحيح، في مثل قولهم «لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً وصاحبه سبعاً ثم أترك حبله على غاربة» إن الشر لن يخلص إلى ناشئتنا إن نحن وهبناهم من ذات أنفسنا هذا الاهتمام، والعود غضّ طريٌ والنفوس قابلة للتشكيل!

وخذوا مجيد الخلائق من تراث الرسول، فقلدوا بها أعناق بنيكم، وزينوا بها نفوسهم، فهي أجدى عليهم من المال المكنوز، الذي يبدده الحمقى في يوم أو بعض يوم، ثم تبقي عليهم حسرات الجهالة، وسوء التربية ما بقوا، وقد قال الرسول صلوات الله عليه «من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه وأدبه وكنيته، وأن يعفه إذا بلغ، وأن يعلمه كتاب الله والسباحة والرمي» وقد قرأ النبي قول الله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}(الأنفال: 60) ثم قال «إلا إن القوة الرمي، إلا إن القوة الرمي، إلا إن القوة الرمي» وسابق النبي عائشة، وصارع ركانة- مصارع قريش- وأمر عمر أن لا يمنع أهل الحبشة وهم يلعبون بحرابهم عند النبي، ورأى نفرًا من (أسلم) ينتضلون فقال: ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، ارموا، وأنا مع بني فلان، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال لهم الرسول: ما لكم لا ترمون؟ قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم جميعاً».

ألا ترى الدستور النبوي الحافل بأسباب العزة؟! وماذا وراء الإسم الكريم والكنية الطيبة، والأدب الصحيح، ومبادرة الزواج عند اكتمال الشباب، ونضج الغريزة، وإمكان النهوض بتكاليف الأسرة الجديدة؟!

ولم يهمل الرسول الرياضة الروحية في هذه المرحلة التي يواجه فيها المراهق انفعالاتٍ شتى، ولكنه جعلها على قدمٍ واحدةٍ مع الرياضة البدنية التي ضرب بنفسه فيها المثل، وجعل السباحة والرمي، رمزًا لما وراءهما من الرياضات الرفيعة، التي لا تهذب- وحدها- الأرواح، ولا تكبح الجماح، ولا تثمر ما ترجو من صلاح، حتى يتندى عليها قطر كريم من كتاب الله وسنة رسوله، وأمثلة القدوة الطيبة في سلفنا الكريم، و«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» وقد مدحت ابنة الشيخ الكبير موسى عليه السلام بقوة البدن وقوة الروح فقالت ما حكى الله عنها {إن خير من استأجرت القوي الأمين}(القصص: 26) حب الأبناء حق الإنسانية، ودين الأجداد عند الأحفاد، وهو سمة الأنبياء، وحلية المتقين يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم"  «من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن- أي شقاءهن– وضرائهن– ما يسببنه من هموم ومتاعب– وسرائهن، ادخله الله الجنة برحمته إياهن، فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ قال واثنتان قال الرجل يا رسول الله وواحدة؟ قال وواحدة»(7).

وقالت عائشة «دخلت علي إمرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا، غير تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي  " صلى الله عليه وسلم"  علينا فأخبرته فقال: (من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له سترًا من النار»(8)

الهوامش:

1- الجامع الصغير ج 2 ص 2.

2- كرسي موريسون: العلم يدعو للإيمان ص144ترجمة الفلكي.

3- البخاري في الأدب المفرد.

4- المصدر نفسه.

5- البخاري ج 8 ص 7

6- المجازات النبوية ص 288.

7- كشف الغمة ج2 ص 89.

8- المنذري ج3 ص 68 – 69.

 

أضف تعليقك

اقرأ ايضا