أخر الأخبار:

الحضارة الإسلامية..بسام حسن المسلماني

الجمعة, 13 فبراير 2015 13:24 //

كيف تهيأت الجزيرة العربية لميلاد الحضارة الإسلامية؟.. قبل أن تعرف أوروبا للحضارة معنى بمئات السنين، كانت الجزيرة العربية ترفل بالعز والمنعة، وهي في أحضان واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية الموثقة، وهي (حضارة سبأ) العربية، وتحديدا (مملكة بلقيس) سنة 990 ق.م.، في أرض العرب العاربة جنوبي جزيرة العرب، ولا شك أن هذه الحضارة لم تكن وليدة لحظة، كما لم تكن حكمة الملكة بلقيس من قبيل الوحي الإلهي، ولكنها كانت ثقافة تراكمية لا بد أنها استغرقت مئات السنين بالنسبة للحضارة، وعشرات السنين بالنسبة لنظام الحكم الذي اتبعته الملكة، أي أن هذه الحضارة مرت بمراحل عديدة من الارتقاء والتطور حتى ورثتها دولة بلقيس، كما هو الحال لكثير من الحضارات.

   وكانت المنطقة التي تسمى جغرافيا الآن (بالشرق الأوسط) تمور بكثير من الحضارات المختلفة في قديم الزمان، فكانت في وادي النيل كل من حضارة النوبة والحضارة المصرية القديمة، كما كانت حضارة بابل وآشور في الركن الشمالي من جزيرة العرب، ويجاورهما حضارة فارس، ولكن هناك فوارق بين تلك الحضارات، سواء في قوتها أثناء وجودها، أو فيما خلفته للتاريخ بعد ذلك، أو فيما أورثته لمن بعدها من خلال التواصل بين الأجيال المتعاقبة، بصرف النظر عن الآثار والمعابد.

   والفارق بين الحضارة العربية القديمة وما عاصرتها من حضارات، أن حضارة سبأ بقيت بآثارها شاهدة على مر السنين - مثلها في ذلك مثل بعض الحضارات الأخرى - كما بقي موروثها الفكري الذي خلده القرآن الكريم بعد ذلك عندما تناول جانبا من جوانب حوار أحد رموزها (بلقيس) مع نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، والمشهد كما رواه القرآن الكريم لا يخلو من تزكية - ولو كانت غير مباشرة - لرأس الحضارة العربية آنذاك في مرحلة من مراحل تاريخها وهي الملكة العربية بلقيس التي استخدمت الدبلوماسية والشورى والذكاء، مع استعراض القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، كل ذلك في آن واحد، ولذلك فإنه عندما انهارت المعطيات المادية لحضارة سبأ بعد ذلك بسقوط دولتها، ظلت المعطيات الثقافية شامخة متواصلة عبر الأجيال، وهناك سورة في القرآن الكريم تحمل اسم هذه الحضارة وهي (سورة سبأ) التي أشارت إلى أسباب انهيارها عندما صدق إبليس عليهم ظنه، كما نصت الآيات لنكتسب العظة والعبرة.

•       وأول مظهر حضاري هو تولي امرأة أعلى سلطة في البلاد - مع تحفظاتنا في التوجه الإسلامي على ذلك حيث إن الشريعة الإسلامية قد نسخت هذا الأمر فيما بعد بجعل القوامة للرجل - وهذا دليل على أن المرأة العربية قد نالت حقوقها كاملة غير منقوصة ( بل زائدة في وقت كانت فيه المرأة الأوربية ترزح تحت وطأة حزام العفة، وهذه الحقوق لا تتمثل فقط في أن امرأة عربية صارت ملكة على قومها، بل أوتيت من كل شيء بدون تقييد لمعنى كلمة (كل) حيث قال الهدهد كما جاء في سورة النمل {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} الآية رقم 23.

•       المظهر الحضاري الثاني: أنها عندما ألقى إليها الهدهد كتاب سيدنا سليمان لم تُخفِ الكتاب الذي وصل إليها من خلال وسيلة غير معهودة عند الناس، بل جمعت الملأ من قومها للتشاور، وكلمة ( الملأ ) توحي بالجماعية والعمومية أو الطرح العام، وقد كانت صادقة مع نفسها وهي تصف هذا الكتاب بأنه (كتاب كريم)، ومع قومها وهي تقرأ عليهم محتوى الكتاب {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} الآيتان 30، 31 من سورة النمل .

•       المظهر الحضاري الثالث: أنها طلبت المشورة والنصيحة والفتوى من أبناء شعبها، ولولا وجود ثقة متبادلة بينها وبين رعيتها لما استطاعت أن تخطو هذه الخطوة، خاصة أنهم لم يكونوا من أتباع ديانة سماوية تقنن أو تهذب أسلوب التعامل بين الحاكم والمحكوم، حيث كانوا يسجدون للشمس من دون الله، والملكة تعلن مسبقا وقبل أن تعرف آراء القوم أنها ستلتزم بما يرونه من رأي، وأنها لن تفرض عليهم شيئا، ولم تزعم أنها ملهمة، بل قالت بكل صراحة: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} الآية 32 النمل، وهذا دليل على أن ماضيها في الحكم وفي إدارة شؤون دولتها سار على المنهاج نفسه، ولا بد أنها توارثت هذا الأسلوب الراقي من أجدادها وأورثته أيضا لمن بعدها من ولاة الأمر، ولو إلى حين.

•       المظهر الحضاري الرابع: يتضح من رد الملأ عليها بكل اعتزاز وثقة في النفس، وبدون تهيب من الموقف، وأيضا بدون تأثر برأيها المبدئي الذي وصفت فيه الكتاب (بالكريم)، فقالوا لها:{ نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ }، ورغم هذه المنعة التي يتمتعون بها لما يحاولوا فرض رأي محدد بالقطع، ولكن هناك استعداد تام لكل الاحتمالات {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} من الآية 33 النمل، وهذا هو النموذج الأمثل للتشاور والتناصح.

•       المظهر الحضاري الخامس: هو ثقافة الملكة ومعرفتها بالتاريخ المعاصر والسابق لها، وذكاؤها المتمثل في حسن التصرف، والتأني الشديد ومحاولة التأكد من مجريات الأمور وقراءة الأحداث قراءة صحيحة، بالإضافة إلى استعدادها الفطري للبذل والعطاء، والآية تتضمن ما يدل على أنها معطاءة {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} الآية 35 النمل، وانتظارها لما سيرجع به رسلها قبل إصدار الرأي النهائي، دليل أنها اتخذت بطانة صالحة لها وزنها وصدقها وقدرتها على صنع القرار أو المشاركة الفعلية في بلورته.

•       المظهر الحضاري السادس: عندما استطاع سيدنا سليمان نقل عرش بلقيس إلى مجلسه قبل حضورها، ونكره لها وقيل لها عندما جاءت {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} من الآية 42، وهذا دليل على رجاحة عقلها وتحوطها التام من ملابسات الموقف، فاستخدامها لكلمة (كأن) للتحفظ والاحتياط معناه أنها تعرف أقدار الرجال، حتى لو لم يتضح لها بعض الجوانب.

•       المظهر الحضاري السابع (والأخير بالنسبة لهذا البحث) أن الملكة العربية لما وجدت نفسها أمام تشريع إلهي ومع نبي من قبل الله سبحانه وتعالى، لم تكابر وتركب رأسها حفاظا على عرشها، كما أنها لم تسوف وتماطل وتحسب حسابات الدنيا الفانية - كما فعل فرعون مثلا - إنما قدمت النموذج الأمثل لحوار الحضارات، وأسلوب التعامل مع الرسالات السماوية والمرسلين، وبتواضع العظماء: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} فيما سبق من عبادة الشمس من دون الله {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } من الآية 44.

     كل هذه الأحداث وتوابعها، كانت في جزيرة العرب قبل قرابة ألف سنة من الميلاد، فأين كانت أوروبا في ذلك التاريخ؟!، وأين بصائر السائرين في فلكها والمتشدقين المنبهرين لحد الاستلاب بها وبحضارتها؟!!.

   ولا شك أن الحضارة الإسلامية ورثت الحضارة العربية وقومتها بتنقيتها من الشوائب التي علقت بها مع مرور السنين، وطورتها ببث ما كان ينقصها من عقائد وأخلاقيات في ثناياها، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ثم أخرجتها إلى العالم كمثال يحتذى به.

   أما ما يقال عن التخلف العربي الذي تقاعس عن أصوله وجذوره وحضارته، فذلك أمر آخر يدين البشرية كلها؛ لأن الصراعات التي حاكها الغرب والتي لم تسلم منها الأمة العربية قد أتت على الأخضر واليابس (أو كادت أن تأتي) لولا العناية الإلهية التي حفظت لنا الجوانب المشرقة من الحضارة العربية الإسلامية وتاريخ الأجداد الأقدمين من العرب العاربة والمستعربة.

   وهذا يؤكد أن العرب كانت لهم حضارة عظيمة من قبل الرسالة الإسلامية بأكثر من 1600 سنة، وظلت هذه الحضارة تتطور وتنضج في كل مفرداتها وبخاصة في بيانها ولغتها التي أعدت لحمل كلمات الله للعالمين.

   وبذلك تأهلت تلك الحضارة لتكون نواة الحضارة الإسلامية إلى أن يشاء الله، وصار أصحاب هذه الحضارة وهم العرب أولى الناس بحمل رسالة الله إلى البشرية، ولم يتم تكليفهم بهذه الأمانة العظيمة بدون مقدمات.

الحضارة الإسلامية.. عندما حرص الغرب على التعلم في جامعاتنا!!!(2)

في ظل حالة الهزيمة النفسية التي تعيشها الأجيال الجديدة اليوم، نحتاج للتذكير بما كانت عليه حال أمتنا من رفعة وعزة يوم كنا مستمسكين بديننا، حتى أقمنا حضارة من أكمل وأسمى الحضارات في تاريخ البشرية، سواء على مستوى الفكر والقيم أم على مستوى البناء والعمران، إن التذكير بماض هذه الأمة ليس الهدف منه البكاء والنحيب أو لتمجيد الذات، وإنما الهدف منه إعطاء صورة حقيقية عن هذه الحضارة التي كانت تشع النور، وتبعث الحياة على مدار قرون مضت، تحفيزا وشحذا للهمم لإعادة بناء هذا الماضي مرة أخرى، وحتى لا نقع في داء الأمم في وقت المحنة والهزيمة، والذي أشار إليه المؤرخ ابن خلدون عندما قال: "المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها" محذرا من تسرب هذا الشعور إلى النفوس، لذلك ونحن نسرد فصول من تاريخ حضارتنا، إنما نقصد من ذلك إلى التأكيد على حقيقة أننا نملك مقومات النهوض في ديننا وعقيدتنا، إذا تمسكنا به عاد لنا تفوقنا من جديد، وأن ما تحياه أمتنا اليوم ليس هو الأصل، بل هي حالة استثنائية في تاريخنا، وقد تناولنا في الحلقة السابقة حال المدن والحواضر في أوروبا في العصور الوسطى مقارنة بمدن العالم الإسلام، وخلال هذه الحلقة نوضح الفارق بين المدارس والمعاهد العلمية في أوروبا العصور الوسطى مقارنة بمدارس وجامعات العالم الإسلامي.

بين الأمس واليوم

الكثيرون منا يتمنون الدراسة في جامعات أمريكا وأوروبا من أمثال جامعة هارفرد، و جامعة ستانفورد الأمريكيتين أو جامعة أوكسفورد و كامبريدج يـورك في بريطانيا، أو جامعة باريس سود في فرنسا، فخريج هذه الجامعات له ثقله العلمي وقيمته في حقول العمل، ويصدر تصنيف سنوي لأفضل 500 جامعة في العالم تأتي في مقدمتها هذه الجامعات، ونفرح جدا إن تمكنت جامعة عربية أو إسلامية من إدراجها ضمن هذا التصنيف، وفي حال إدراج أي من الجامعات العربية فإنها دائما ما تحتل المراكز الأخيرة ضمن هذا التصنيف، في التصنيف الأخير لعام 2013م لم يتضمن إلا ثلاث جامعات عربية، ولتحسين مستوى الجامعات العربية يتم ابتعاث طلابنا إلى البلاد الغربية ليتعلموا في مدارسها وجامعاتها، أو يتم استقدام مدرسين أجانب لجامعاتنا ليدرسوا لأبنائنا، فهل كان الأمر هكذا في الماضي؟

قد كان الأمر على العكس من ذلك تماما، فيوم أن كان يحكمنا الإسلام وكنا نعظم شرائعه، كانت جامعاتنا أرقى الجامعات في العالم وخريجوها هم الأعلى مستوى، بينما كانت أوروبا ترسل أبنائها للتعلم في جامعاتنا، أو تستقدم علماؤنا ومدرسينا لتأسيس المدارس عندهم.

التعليم في الأديرة:

أهم ما يميز التعليم في أوروبا في العصور الوسطى أنه يخضع خضوعا تاما لسيطرة الكنيسة، نتيجة لاتساع نفوذ الكنيسة على مجمل مناشط الحياة في أوروبا، وقد أظهر نفورا قويا من التعلم، حتى أن ثيودريك – ملك القوط الشرقيين- حرم إرسال أبناء القوط إلى المدارس محتجا بأن الصغار الذين يشبون على الخوف من عصا المعلم لن تكون لديهم في المستقبل الشجاعة الكافية لمواجهة السيوف والحراب، ولم يكد ينتهي القرن السابع الميلادي إلا كان التعليم في غرب أوروبا قد أصبح دينيا بحتا، داخل مدارس ديرية وأسقفية، واستمر الوضع على ذلك حتى القرن الثاني عشر.

وازداد نفوذ البابوية في توجيه التعليم ورسم سياسته، فأصبح التعليم منصبا على الإنجيل واللاهوت وغدت المدارس الأسقفية والديرية لا تدرس إلا الكتاب المقدس وسير القديسين المليئة بالخرافات والأساطير، بحيث أصبح التعليم لا يستهدف إلا إعداد النشء ليصبحوا رجال الدين، واشتهر البابا "جريجوري العظيم" (590 – 604) باعتقاده عدم جدوى كافة العلوم طالما لا تساعد على فهم العقيدة المسيحية. كما كان نظام التعليم يرتكز على تعليم الأولاد دون البنات.

محاربة الكنيسة للعلم والعلماء:

أدركت الكنيسة أن خروج الحركة التعليمية من قبضتها تعرض سلطانها وتعاليمها للخطر والنقد، لذلك فقد أحكمت قبضها على المدارس وضيقت الخناق على حرية التفكير والتعبير، ومن يخالف تعاليم الكنيسة كان مصيره التنكيل والتعذيب، وكان نتيجة هذا أن احتكرت الكنيسة لنفسها تأويل الكتاب المقدس, وأدانت كل من جاهر بحقيقة لم تقرها من قبل, ويكفي أن نعلم أن التقدم للحصول على الدكتوراه في القانون يحتاج لموافقة الأسقف.

لقد أدت تفسيرات الكنيسة لنصوص العهد القديم لمناقضة العلم صراحة, كالقول بدوران الشمس حول الأرض, واعتبار أمراض المسيحيين مردها إلى الشياطين, واستبعاد علم طبقات الأرض والأنثروبيلوجيا, إضافة لاعتبار علم الكيمياء فنا شيطانيا خبيثا, وغيرها من التناقضات الكثيرة مع العلم.

وقفت الكنيسة بعد ذلك بالمرصاد لكل فكر مخالف لها, ولكل صاحب رأي مغاير لرأي آبائها ورجالها, واضطهدت المخالفين إن وجدوا وقمعتهم, وأقامت من أجل ذلك محاكم التفتيش المشهورة بالتعذيب والتنكيل التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا، وقصص علماء من أمثال كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن وجيوردانو برونو وبافون مشهورة حيث تعرض بعضهم للتعذيب والسجن والبعض الآخر للإعدام.

التعليم في العالم الإسلامي:

كان هذا هو واقع التعليم في أوروبا في المقابل كان العالم الإسلامي يزخر بالجامعات والمدارس، حتى بلغت المدارس من الكثرة حدا بالغا، وحسبك أن تعلم أنه لم تخل مدينة ولا قرية، في طول العالم الإسلامي وعرضه، من مدارس متعددة يُعلِّم فيها عشرات من المعلمين والمدرسين.

وكان التعليم في المدارس في العالم الإسلامي مجانا ولمختلف الطبقات، وكانت الدراسة فيها قسمين: قسما داخليا للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية علي أن يعيشوا علي نفقات آبائهم. وقسما خارجياً لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضا، يهيأ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالعة والعبادة. وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي علي مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام. وكانت بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنية في الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرت العالم الإسلامي كله، ففي دمشق لا تزال المدرسة النورية التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخياطين، ولا تزال قائمة تعطينا نموذجا حيا لهندسة المدارس في عصور الحضارة الإسلامية، لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأعجب بها وكتب عنها.

ونجد مثلها في حلب في مدارس الشعبانية والعثمانية والخسروية، حيث لا يزال فيها للطلاب غرف يسكنونها وقاعات للدراسة، وقد كانوا من قبل يأكلون فيها، ثم عدل عن ذلك إلى راتب معلوم في آخر كل شهر يعطى للطلاب المنتسبين إليها.

وكان للمدرسين شعار خاص يفضلهم عن غيرهم من أرباب المهن. كان شعارهم في عهد أبي يوسف عمامة سوداء وطيلسانا، وشعارهم في عهد الفاطميين عمامة خضراء وكسوة مذهبة تتكون من ست قطع، أهمها القلنسوة والطيلسان. أما الجبة واختصاص العلماء والمدرسين بها فقد بدأ ذلك في عهد الأمويين. وكانت ملابسهم في الأندلس تختلف قليلاً عن ملابس العلماء والمدرسين في المشرق.

وقد أخذ الغربيون عن مدرسي الأندلس زيهم، فكان هو أصل الزى العلمي المعروف الآن في الجامعات الأوروبية والذي يلبسه الطلاب المتخرجون في حفلات تخرجهم.

وكان للمعلمين نقابة في تلك العصور، وكان جماعة المدرسين هم الذين يختارون النقيب، وما كان يتدخل السلطان إلا إذا وقع خلاف بين الأعضاء فيصلح بينهم.

وكانت المدارس متعددة الغايات فإلى جانب مدارس علوم الشريعة، هناك مدارس للطب ودراسة الفلك والهندسة والكيمياء، يقول المفكر الغربي "دراير": كان أبو جعفر المنصور أول من بدأ بنشر العلوم الفلكية وتأسيس مدارس الطب والشريعة، وفي عهد المأمون الذي أنشأ بيت الحكمة فقد أولى العلماء جل اهتمامه، وبسبب هذا التشجيع قدر للمسلمين أن يضعوا قواعد علم الكيمياء واكتشفوا عدة أجهزة للتقطير والتصعيد والإسالة ـ إسالة الجوامد ـ والتعبئة مما دعاهم إلى اختراع الآلات المدرجة وآلات القياس لأبعاد الكواكب واخترعوا الميزان في العلوم الكيماوية، مما حقق لهم القدرة على الهندسة وحساب المثلثات وهو الذي أدى إلى اكتشاف علم الجبر ودعاهم لاستعمال الأرقام الهندسية.

كما قام نظام الملك" بتأسيس "المدرسة النظامية" والتي تعتبر أول جامعة علمية بالمعنى الحديث، وقد بلغ عدد طلابها 6 آلاف طالب، وقام "صلاح الدين الأيوبي" برعاية الأوقاف التي تنفق على الطلبة والمدرسين واهتم بها وزادها، وبلغت ميزانية العملية التعليمية في عصر أن كان ثلث الخراج يذهب للتعليم.

و"عيسى ابن الملك العادل" الذي اهتم بالعلم، وكان يعطف على العلماء والأدباء ويوليهم الوزارة تكريماً للعلم ومنهم رضوان بن محمد الساعاتي الذي صنف كتابه المسمى "علم الساعات والعمل بها"، وهو الذي عمل الساعات (الساعة) التي عند باب الجامع الأموي الشرقي بدمشق.

البعثات الأوروبية للجامعات الإسلامية:  

لكن مع احتكاك أوروبا بالعالم الإسلامي، سواء عن طريق الأندلس وصقلية أو أثناء الحروب الصليبية، أصيب المجتمع الأوروبي بالصدمة لما وجدوه من تقدم كبير في المجتمعات الإسلامية وللفجوة الحضارية الكبيرة التي تفصلهم عن العالم الإسلامي، لذلك فقد عمد الأمراء والملوك على سد هذه الفجوة من خلال إرسال بعثات تعليمية إلى الجامعات العربية في الأندلس حتى اعتمدت جميع مراكز التعليم في أوروبا على قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة. حيث كان الطلاب يشدون الرحال إليها ويقضون السنوات الطوال في الدراسة والتتبع، والاطلاع على مؤلفات العرب فيها، وكان رواد الغربيين الأُول إلى مدارسنا شديدي الإعجاب والشغف بكل ما يستمعون إليه من هذه العلوم في جو من الحرية لا يعرفون له مثيلاً في بلادهم. ففي الوقت الذي كان فيه علماؤنا يتحدثون في حلقاتهم العلمية ومؤلفاتهم عن دوران الأرض وكرويتها، وحركات الأفلاك والأجرام السماوية، كانت عقول الأوروبيين تمتلئ بالخرافات والأوهام عن هذه الحقائق كله.

وكان في مقدمة هؤلاء الراهب الفرنسي (جربرت دي اورياك) الذي وفد إلى الأندلس في عصر الخليفة الحكم المستنصر (350-366 هـ / 961 – 976مـ) ، ودرس على أيدي العلماء المسلمين الرياضيات والفلك والكيمياء، وحينما عاد إلى وطنه بعد أن بلغ من العلم مبلغا خيّل لعامة فرنسا إذ ذاك انه ساحر. فقد من أوائل المهتمين بالثقافة العربية، والمضمون التجريبي للعلم، وقد تربع بعد ذلك على عرش البابوية في روما تحت اسم سيلفستر الثاني (390 – 394 هـ / 999 – 1003 مـ) وكان له الدور البارز في نشر علوم العرب في أوروبا وهو أول من ادخل التعليم الدنيوي ودافع عنه على أسس تقدمية.

ويقول "شارلزسنجر": "إن طالب العلم الأوروبي الشغوف بالعلم آنذاك الذي لا ترضيه الدراسة في باريـس وأكسفورد والـذي كانت تأخذ بلبه الأخبار المتناقلة عن عجائـب العلم والحكـمة العربية إنما كان يذهـب للدراسة في طليطلة أو قرطبة".

كما أرسلت إلى الأندلس بعثات ذات طابع رسمي من قبل حكومات بعض الدول الأوروبية، وأخذت هذه البعثات تتوالى على الأندلس بأعداد متزايدة سنة بعد أخرى، حتى بلغت سنة 312هـ / 924مـ، في عهد الخليفة الناصر زهاء سبعمائة طالب وطالبة. وكانت إحدى هذه البعثات من ألمانيا، ففي سنة 313هـ / 925مـ أرسل ملك ألمانيا اوتو الكبير، الراهب (جون) إلى قرطبة مبعوثاً إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر وأثناء مكوثه فيها لمدة ثلاث سنوات تعلم العلوم والثقافة العربية، وحمل معه المخطوطات العلمية العربية. وتوجهت بعثه من فرنسا برئاسة الأميرة (إليزابيث) ابنة خال الملك لويس السادس ملك فرنسا.

وبعث فيليب ملك بافاريا إلى الخليفة هشام المؤيد (366 – 399 هـ /976-1009 مـ) بكتاب يطلب منه أن يأذن له بإرسال بعثة من بلاده إلى الأندلس للاطلاع على مظاهر التقدم الحضاري فيها والاستفادة منها، فوافق الخليفة هشام، وجاءت بعثة هذه الملك برئاسة وزيره المدعو (ويلميين) الذي يسميه العرب وليم الأمين. وقد تألفت هذه البعثة من (215) طالباً وطالبة وزعوا على جميع معاهد الأندلس لينهلوا من مواردها الثقافية، وتذكر الروايات بأن ثمانية من أفراد هذه البعثة اعتنقوا الدين الإسلامي ومكثوا في الأندلس ورفضوا العودة إلى بلادهم، ومن ضمن هؤلاء الثمانية ثلاث فتيات تزوجن بمشاهير من رجال الأندلس في ذلك الوقت، وأنجبن عدداً من العلماء كان منهم عباس بن مرداس الفلكي.

وسار ملوك آخرون من أوروبا على هذا النهج، فقد أوفد ملك ويلز بعثة برئاسة ابنة أخيه، كانت تضم ثمانية عشرة فتاة من بنات الأشراف والأعيان، وقد وصلت هذه البعثة مدينة اشبيلية برفقة النبيل (سفيلك) رئيس موظفي القصر في ويلز الذي حمل رسالة من ملكه إلى الخليفة هشام المعتد بالله الذي خلع عام 422 هـ/ 1030مـ وكان هدف هذه البعثة كما تقول الرسالة: ((فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا ولأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أربعة أركان ...)). وقد استقبل خليفة الأندلس البعثة أحسن استقبال، ورد على رسالة ملك ويلز، وقد حظيت هذه البعثة باهتمام رجال الدولة الذين قرروا أن يتم الإنفاق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين.

استقدام علماء المسلمين:

ولم يقتصر الأمر على مجرد إرسال البعثات التعليمية إلى الجامعات الإسلامية، بل حرص ملوك أوروبا على استقدام المدرسين والعلماء لتأسيس المدارس والمعاهد العلمية في بلدانهم. ففي خلال القرن التاسع الميلادي وما بعده وّقعت حكومات هولندة وسكسونيا وإنكلترا على عقود مع قرابة تسعين من الأساتذة العرب في الأندلس بمختلف العلوم، وقد اختير هؤلاء من بين أشهر العلماء الذين كانوا يحسنون اللغتين الإسبانية واللاتينية إلى جانب اللغة العربية. ووقعت تلك الحكومات عقوداً أخرى مع قرابة مئتي خبير عربي في مختلف الصناعات، ولاسيما إنشاء السفن، وصناعة النسيج والزجاج والبناء وفنون الزراعة. ولقد قام بعض المهندسين العرب أكبر جسر على نهر التايمس في إنكلترا عرف باسم (جسر هليشم Helichem) وهذه الكلمة تحريف لكلمة هشام خليفة الأندلس الذي أطلق الإنكليز اسمه على هذا الجسر عرفاناً بفضله لأنه أرسل إليهم أولئك المهندسين العرب. ولا تزال توجد بإحدى المدن الألمانية (شتوتغارت) حتى اليوم سقاية ماء تدعى (أميديو Amedeo) وهو تحريف لكلمة أحمد المهندس العربي الذي بناه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- فضل الإسلام والمسلمين في التقدم العلمي، د. فهدالعصيمي، نسخة الكترونية.

- الأندلس بوابة التواصل الحضاري العربي الإسلامي ـ الأوروبي، أ.د.نهلة شهاب أحمد، جامعة الموصل، نسخة إلكترونية.

- من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، دار الوراق، بيروت، ص 205 : ص217.

 

الحضارة الإسلامية .. الاختراق الفكري لأوربا!!! (3)

في ظل حالة الهزيمة النفسية التي تعيشها الأجيال الجديدة اليوم، نحتاج للتذكير بما كانت عليه حال أمتنا من رفعة وعزة يوم كنا مستمسكين بديننا، حتى أقمنا حضارة من أكمل وأسمى الحضارات في تاريخ البشرية، سواء على مستوى الفكر والقيم أم على مستوى البناء والعمران.

إن التذكير بماض هذه الأمة ليس الهدف منه البكاء والنحيب أو لتمجيد الذات، وإنما الهدف منه إعطاء صورة حقيقية عن هذه الحضارة التي كانت تشع النور، وتبعث الحياة على مدار قرون مضت، تحفيزا وشحذا للهمم لإعادة بناء هذا الماضي مرة أخرى، وحتى لا نقع في داء الأمم في وقت المحنة والهزيمة، والذي أشار إليه المؤرخ ابن خلدون عندما قال: "المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها" محذرا من تسرب هذا الشعور إلى النفوس؛ لذلك ونحن نسرد فصول من تاريخ حضارتنا، إنما نقصد من ذلك إلى التأكيد على حقيقة أننا نملك مقومات النهوض في ديننا وعقيدتنا، إذا تمسكنا به عاد لنا تفوقنا من جديد، وأن ما تحياه أمتنا اليوم ليس هو الأصل، بل هي حالة استثنائية في تاريخنا.

وقد تناولنا في الحلقات سابقة حال المدن والحواضر في أوروبا في العصور الوسطى مقارنة بمدن العالم الإسلام، وحال المدارس والمعاهد العلمية في أوروبا العصور الوسطى مقارنة بمدارس وجامعات العالم الإسلامي.

بين الأمس واليوم

بدأ الغزو الفكري الأوروبي منذ وقعت بلاد العالم الإسلامي في قبضة الغرب، وبدأ كثير من النخب في مجتمعاتنا تنبهر بما عند الغرب من تقدم مادي وعلمي، بينما المسلمون ـ يومئذ ـ متخلفون في جميع الميادين، ثم عملت هذه النخب، خاصة وأن معظم من كانوا يتولون مناصب قيادية في بلدانهم عملوا على تغيير مناهج التعليم ووسائل الإعلام؛ لتعميق الأفكار والمناهج التغريبية وترسيخها في مجتمعاتنا، وتخريج أجيال تنسلخ تدريجياً من الإسلام، وتدخل تدريجياً في عملية التغريب.. هذا هو واقع كثير من بلدان العالم الإسلامي. فهل كان الأمر هكذا في الماضي؟

قد كان الأمر على العكس من ذلك تماما، فيوم أن كان يحكمنا الإسلام، وكنا نعظم شرائعه، كان الإسلام قمة الرقي والعصرية، و كان من الظرف والكياسة الانتساب إليه والظهور بمظاهره، وكانت الأمم تقتبس أفكاره ومناهجه وتشريعاته ونظمه وكانت حركة الفكر في أوروبا واتجاهات التفكير متأثرة بشكل كبير بما يطرحه مفكرو المسلمين وعلماؤهم من آراء، يظهر ذلك في كتابات فلاسفة الغرب، وفي دينهم وفي أدبهم وفي مدنيتهم، وتشف عن ذلك بواطنهم وضمائرهم، وتنم عنه الحركة الإصلاحية التي ظهرت فيهم .

أوروبا ترفض عبادة الصور

كان لمبادئ الحضارة الإسلامية أثر كبير في حركات الإصلاح الدينية التي قامت في أوروبا منذ القرن السابع حتى عصر النهضة الحديثة، فالإسلام الذي أعلن توحيد الله وانفراده بالسلطان وتنزيهه عن التجسيم والظلم والنقص، كما أعلن استقلال الإنسان في عبادته وصلته مع الله وفهمه لشرائعه دون وساطة رجال الدين، كان عاملاً كبيراً في تفتح أذهان الشعوب إلى هذه المبادئ القوية الرائعة، وقد كانت الشعوب يومئذ ترسف (مشي المقيد) في أغلال من الخصام المذهبي العنيف، والخضوع لسلطان رجال الدين على أفكارهم وآرائهم وأموالهم وأبدانهم! فمن الطبيعي وقد وصلت فتوحاته في الشرق والغرب إلى ما وصلت إليه، أن تتأثر الأمم المجاورة له بمبادئه في العقيدة قبل كل شيء.

وهذا ما حدث فعلاً، إذ قام في القرن الثامن والتاسع للميلاد أو القرن الثالث والرابع الهجري، مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، فقد أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث أمراً سنة 726 م يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل، وأمراً آخر سنة 730 م يعد الإتيان بهذا وثنية، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع، على حين كان البابا جريجوري الثاني والثالث

وجرمانيوس بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور، وجرى بين الطائفتين نزاع شديد، ويذكر المؤرخون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام، ويقولون: إن كلوديوس (Claadius) ... أسقف تورين (الذي عين سنة 828 م وحول 213هـ) والذي كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته، ولد وربي في الأندلس الإسلامي. وكراهية الإسلام للتماثيل والصور معروفة.

ويؤكد كثير من الباحثين أن (لوثر) في حركته الإصلاحية كان متأثراً بما قرأه العرب والعلماء المسلمين من آراء في الدين والعقيدة والوحي.

رفض الاعتراف أمام القساوسة:

كما ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام. من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ظهرت في سبتمانيا SePtimania)))) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأن ليس للقسس حق في ذلك، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار، فطبيعي أن لا يكون فيه اعتراف.

ميدان التشريع:

كان لاتصال الطلاب الغربيين بالمدارس الإسلامية في الأندلس وغيرها أثر كبير في نقل مجموعة من الأحكام الفقهية والتشريعية إلى لغاتهم، ولم تكن أوروبا في ذلك الحين علي نظام متقن ولا قوانين عادلة.

حتى إذا كان عهد نابليون في مصر ترجم أشهر كتب الفقه المالكي إلى اللغة الفرنسية. ومن أوائل هذه الكتب (كتاب خليل) الذي كان نواة القانون المدني الفرنسي، وقد جاء متشابها إلى حد كبير مع أحكام الفقه المالكي، يقول العلامة سيديو: (والمذهب المالكي هو الذي يستوقف نظرنا على الخصوص لما لنا من الصلات بعرب إفريقية، وعهدت الحكومة الفرنسية إلى الدكتور بيرون في أن يترجم إلى الفرنسية كتاب المختصر في الفقه للخليل بن إسحاق بن يعقوب المتوفى سنة 1422م).

نظام الحكم:

وفي مفهوم الدولة وعلاقة الشعب بالحكومة: فقد كان العالم القديم والوسيط ينكر على الشعب حقه في الإشراف على أعمال حكامه، كما يجعلون الصلة بينه وبين الحاكم صلة بين العبد وسيده، فالحاكم هو السيد المطلق يتصرف بالشعب كما يشاء وكانت المملكة تعتبر ملكا خاصا للملك تورث عنه كما تورث بقية أمواله، ويستبيحون من أجل ذلك أن تقوم الحرب بين دولة وأخرى من أجل المطالبة بحصة أميرة في العرش، أو للخلاف على ميراث الأصهار!

أما العلاقة بين الأمم المتحاربة فهي استباحة الغالب لكل ما في يد المغلوب، وما في وطنه من مال وعرض وحرية وكرامة، وظل الأمر كذلك حتى قامت الحضارة الإسلامية تعلن فيما تعلن من مبادئها أن الشعب هو صاحب الحق في الإشراف على حكامه، وأن هؤلاء ليسوا إلا أجراء يسهرون على مصالح الشعب وكرامته بأمانة ونزاهة، وفى هذا يقع لأول مرة في التاريخ أن يحاسب فرد من أفراد الشعب حاكمه عما يلبس، من أين جاء به، فلا يحكم عليه بالإعدام، ولا يقاد إلى السجن، ولا ينفى من الأرض، ولكن يقدم له الحاكم حسابه حتى يقتنع ويقتنع الناس! ولأول مرة في التاريخ يقول أحد أفراد الرعية لحاكمه الأكبر: السلام عليك أيها الأجير! فيعترف الحاكم بأنه أجير الشعب، عليه ما على الأجير من حق الخدمة بإخلاص، والنصح بأمانة. أعلنت الحضارة الإسلامية هذا فيما أعلنته وطبقته بعد ذلك، فما هي إلا نسمة الحرية والوعي تهب في الشعوب المجاورة للمجتمع الإسلامي فتتململ ثم تتحرك، ثم تثور، ثم تتحرر.

وكان مما أعلنته حضارتنا في حروبها احترام العهود، وصيانة العقائد، وترك المعابد لأهلها، وضمان حريات الناس وكرامتهم، فأثارت في الشعوب المغلوبة لحكمها روح العزة والكرامة، ونبهت فيهم معاني الإنسانية الكريمة العزيزة.

وكان في التاريخ لأول مرة أن يشكو والد مغلوب، الحاكم الغالب إلى رئيس الدولة الأعلى من أن ولد الحاكم قد ضرب ولده الصغير خفقتين بالسوط على رأسه من غير حق. ويغضب رئيس الدولة الأعلى ويحاسب ولد الحاكم ويقتص منه، ويقرع الحاكم ويؤنبه ويقول له: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!" إن هذه روح جديدة تبعثها حضارتنا في الأفراد والشعوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-       من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، دار الوراق، بيروت.

-       ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي، مكتبة الإيمان، المنصورة – مصر.

أضف تعليقك

اقرأ ايضا